يبدع الصديق الشاعر منصور البطي، على موقع «تويتر» بأبيات من الشعر الشعبي تعبر عن هموم الناس، هذا بالفعل من التغريد، فليس كل ما يكتب في موقع «تويتر» يمكن تصنيفه كذلك.
دخل «أبو عبدالرحمن» لموقع «تويتر» وقد قرر – بحسب صديق مشترك – ألا يكتب إلا شعراً، من النادر أن تجد له غير أبيات وليدة اللحظة يضع فيها أصابعنا على الجرح لدرجة نحتاج استعارة أصابع! عن التنمية والأرقام قال أبو عبدالرحمن:
«التنمية ما هي مجرد عناوين/ وأيضاً ولا نشوة تصاريح وأرقام!/ تقولها ناسٍ من الصدق خالين!/ ناسٍ هوايتها تسَوق للأوهام/ ما نسمعه غير الذي شافت العين/ حتى ولا شفنا النتائج بالأحلام!/ بنعانق القمة في كل الميادين/ لو صار كل اللي نشوفه بالإعلام».
والإعلام له دور، صحيح أنه مرآة يعكس الواقع حتى ولو كان تصريحات وتوقيع عقود ولجوء إلى وهم مراتب عالمية لا تجد لها أثراً على الأرض، لكن في أحيان أخرى يشارك الإعلام في التضخيم والمبالغة، يتحول «لمراية» مكبرة ومضخمة، يتوالد عنها مرايا حتى يصبح الوهم «حلم اليقظة» كأنه حقيقة واقعة، ويبرع بعض الإعلاميين في ذلك، فهم يستفيدون «حتى العظم» من شغف أصحاب الوعود الوهمية بالفلاشات وتسيد الصفحات دون تمحيص أو تدقيق، ويمارس بعضهم من خلال مواقعهم الوظيفية الحجب على ما يغضب صاحب الوعود الوهمية، إلى حين انكشاف حقيقة السراب.
بتلك الأبيات يقول لنا شاعر «تويتر» ما نردده لكن بأسلوب أجمل يختصر المسافات، بلمسته يعيد التأكيد على انه لم يعد للأرقام معنى، مثلها مثل جوائز ومراتب حققتها أجهزة حكومية على الورق، لم يستفد منها سوى جهات تنظيم المؤتمرات والمعارض والمنتديات. استعادة الثقة تستلزم المحاسبة على تلك الوعود بما يحقق القيمة والمعنى «للتصريح الرسمي» وبما يحفظ مكانة الوطن، هذا فيما سبق من وعود استهلكت الشكل على حساب المضامين، أما في اللاحق فهناك مسؤولية أيضاً لاستعادة الثقة، وهي ألا ينشر خبر او تصريح عن مشاريع لم ينته تنفيذها بعد، لو تم ذلك «وهو من أحلام اليقظة» تخيل انخفاض عدد صفحات الصحف «ومطبوعات أجهزة حكومية»، تخيل مقدار مساهمتنا في حماية البيئة العالمية، أيضاً توقع غياب كثير من الصور …قد ننسى أسماء أصحابها رغم استمرارهم على الكراسي.
رئيس بعثة المراقبين العرب في سوريا اقترف خطأً جسيماً حينما تحدث للإعلام! ليس مهام مراقب في شأن متفجر مثل الأزمة السورية، أن يتحدث، مهما بلغت شهوة للكلام وضغوط مراسلين ورصد مراقبين بثياب سائقين ومرشدين.
حديث رئيس البعثة الباعث على الاطمئنان، تحول إلى حكم لصالح طرف ضد الآخر. ومن الواضح أن الجامعة لم تكن مستعدة ولا مراقبيها لأمر من هذا النوع ، لوحظ ذلك من حالة «التوهان» وتصوير بأجهزة الجوال، والقصد من نشر المراقبين – بحسب فهمي- تقصي حقائق الأوضاع على الأرض، بين متظاهرين يتهمون السلطات السورية بقتلهم والفتك بهم رغم سلمية خروجهم الى الشارع، وسلطات تقول إنها تلاحق مجموعات إرهابية هي من يقتل المدنيين ومنهم المتظاهرون.
في هذه الجولة حققت السلطات السورية انتصاراً بعد انتزاعها ذلك التصريح من رئيس مراقبي الجامعة العربية، أو تبرعه به. وفكرة نشر مراقبين مدنيين في أزمة من هذا النوع غير مسبوقة في ظني، لهذا لم يكن مفاجئاً أن الجامعة لم تكن مستعدة، كان الأولى- بديهياً- التشديد على عدم الاتصال بوسائل الإعلام منذ ما قبل وصول دفعات المراقبين، وتعيين متحدث باسمهم في الجامعة أو الإعلان ان أمين الجامعة هو المعني بالحديث عن نشاطهم، ولا يتوقع من المراقبين حسم أي أمر، لذا يستغرب الهجوم عليهم من الطرفين، مهمتهم تنحصر في نقل الصورة إلى مرجعيتهم، اللجنة الوزارية، والأخيرة ستصدر رأي الجامعة لاحقاً.
والواقع يقول ان السلطات السورية فرضت أسلوبها «في الكر والفر الحاصل الآن» على الجامعة العربية، فهي من يشغلها أكثر من الثوار، مع فتيل التدويل، والغرض تحقيق هدف إعلامي وسياسي كبير يتولد عنه أهداف على الأرض. استطاعت دمشق تجيير حضور المراقبين لصالح وجهة نظرها المعلنة، ولو مؤقتاً على الأقل، من هنا تحولت الجامعة إلى أداة لتزويد الحكومة السورية بمساحة زمنية أطول «للتعامل» مع الأزمة…الثورة، وهو ما يتناقض مع لهجة حازمة دشنت الجامعة بها تدخلها في الأزمة السورية، وتكاد الجامعة بأسلوبها المرتجل أن تتحول إلى جزء من المشكلة لا جزءاً من الحل. فمن عدم وضوح الرؤية لدى الجامعة العربية واللجنة الوزارية» أيضاً» اختفاء الحديث عن العقوبات الاقتصادية، هل تم تفعيلها وأي من الدول التزم بها، أم أنها بقيت حبراً على ورق الجامعة، وتلاشت، ومع قصور نفس الجامعة ونظام في سوريا تعود على طول النفس مهما تصاعد عدد القتلى، يبدو أفق الحل بعيد المنال.
لا يعرف القراء أن مقالي اليومي، يقع تحت رحمة الصورة المجاورة «في النسخة الورقية»، حالتي معها مثل حال من يسكن بجوار استراحة للإيجار، كل يوم يفد إليها مستأجرون مختلفون، والأمر بحسب لياقتهم ولباقتهم وإحساسهم بحقوق الجيران، ربما يتمددون أو يتشعلق أولادهم على الجدران. وبحكم انهن من النساء- الجميلات أحياناً- يفسح لهن المجال برحابة «إخراج»، عملاً بقول الفرنجة «السيدات أولاً»، لذلك تتشكل الزاوية مرة نحيفة طويلة ومرة سمينة قصيرة، وهذا أمر يمكن التعامل معه على انه من ضرورات الإخراج، خاصة إذا دخل «الحبيب» الإعلان على الخط، لكن الأمر يصل أحياناً إلى العنوان فيضطر الزملاء لاختصاره، وهذا قد يسبب غصة للكاتب!
في كل كلمة طاقة كامنة، فإذا وضعت عنواناً من كلمة واحدة فالرسالة الأولى ستبقى في حدودها أما لو كانت في جملة فالمسألة ستختلف بالتأكيد، والعنوان في غاية الأهمية، هناك فرق بين أن تضع للمقال عنواناً من كلمة واحدة «إحباط»، أو «هل أصبح الإحباط ظاهرة؟» ففي الأولى إيحاء و «شحنة سلبية» لا تخفى على أصحاب الفطنة المرهفة، في حين يشير الثاني لمحاولة الحث على التفكير مستهدفاً كشف الأسباب.
تكمن أهمية العنوان في أمور كثيرة فهو إخبار أولي عن المضمون، مثلما انه أول خيط للإمساك بالفكرة وعين القار، أحياناً يحتار الكاتب بحثاً عن عنوان يتطابق مع النص، لا آخر يجذب القارئ فقط ولو كان بعيداً عن فكرة المقال.
ومن الطريف إنني محسود من البعض على هذه الجيرة «الناعمة»، يعتقد هؤلاء أنها تروج للمقال بل يتجاوز نفر منهم إلى أنها تقدم «فسحة من الأمل»، والتطلع للآفاق المترعة «بنيل» المطالب، والنيل هنا من «النيلة»، أما أنا فأرى فيها- الصورة- سبب «لزوغان» عيون قراء النسخة الورقية، خاصة و «بعض الناس» لا يرمش لإطالة أمد النظرة الأولى حتى يصاب بالجحوظ، ومنذ بداية نشر هذه الزاوية في الحياة وهذه الجيرة مادة خصبة للتعليق من بعض القراء، علماً بأنه ليس لي يد في «وضعها» أو اختيارها،لا من هوليوود ولا من بوليوود. هنا انتصر للزاوية التي عرفتني بالقراء وعرفتهم بي، فمن حقها البوح عنها ولو لمرة واحدة، فـ «ياما» باحت بهموم الكثيرين من أصدقائها، وأفكر جدياً في الاستفادة من تجربة جاري في النسخة الورقية «الملتزم» بعدم وضع عنوان لمقاله اليومي، لا اخفي ترددي، مقال بدون عنوان مثل رجل «مفرع» في مناسبة اجتماعية.
هل وصل الإحباط في مجتمعنا لأن يصبح ثقافة ظاهرة كبقعة زيت تتلامع على سطح الماء؟
مما لا تخطئه العيون والآذان، أن الإحباط يتزايد ومع مرور الوقت يتجذّر، ومن دلائله الشعور العام باللاجدوى، والكتّاب يصلهم من القراء كثير مما يشير لذلك، حين طرح قضايا وطموحات شبعت عرضاً دون علاج ناجع.
تأتي التعليقات الجاهزة مستخدمة الأمثال الشعبية، كتبت في مقال سابق عن أكثر العبارات انتشاراً في عام 2010، من واقع ما يصلني أو أطّلع عليه من ردود فعل القراء، فكان منها «الشق أكبر من الرقعة»، «لقد أسمعت لو ناديت…»، «القربة مشقوقة»، «من أمن العقوبة أساء الأدب» وغيرها، وواحدة منها لها ثقل الرصاص، تكتم الأنفاس تقول «طيب وبعدين»! ردود فعل موجودة قبل ذلك التاريخ إلا أنها تزايدت، وفيها مقياس «لرختر» الإحباط.
أما أسبابه فمن أبرزها احتياجات ومطالب وتطلعات متنوعة لم يتم الوفاء بها، وكان المنتظر أن يجري استباقها لتتحقق الوفرة في الإمكانيات لا في الفجوات! حصل هذا مع كل ما قيل في وسائل الإعلام عن «الدراسات العلمية المتكاملة» و«أحدث التقنيات المتوافرة في العالم».
حسناً أين الخلل؟
ليس هناك سبب وحيد للخلل بل جملة أسباب، آتي بأهم واحد فيها، إذ كتبت سابقاً عن «حسن الاختيار»، وهو يماثل الرقابة في الأهمية، ولا يقصد هنا بالرقابة تتبع الفساد المالي والإداري، لأنه نتيجة سببها عدم توافر الرقابة على التوجّه، يأتي مسؤول إلى منصب فيغيّر ما تم بناؤه، وكأنه يحاول دفن شبح، أو يحدث أفكاراً جديدة «فيها نظر وأخذ ورد»، ولا يجري رصدها «علمياً» من جهة أعلى قادرة على الفحص والتنبّه لمخاطر سلبية محتملة، بل وفي المنظور يتم الاعتماد على ما تروّج له تلك الجهة بالضجيج، من أنها في الاتجاه الصحيح! ويؤخذ بتقاريرها السنوية «المضبطة» في وكالات «دعاية وإعلان»، وقد تحصل على ثناء، بشواهد لمعان الأغلفة وانتقاء الصور! والنتيجة تعاقب التجارب والمجرّبين على تراب الوطن المعطاء! واتساع هوة الفجوات، فلا جهة تقوّم الاعوجاج منذ بدايته، لذلك لا يستغرب استشراء الفساد فهو نتيجة، كما لا يستغرب كثرة الوعود المتبخرة فأصحابها لا ينالهم سوى رائحة البخور، ومن يأتي بعدهم «قد» ينشغل بإطفاء الحرائق.
أتمنى من مراقبي الجامعة العربية في سورية كتابة يومياتهم، لو كنت واحداً منهم لكتبت عن اللحظات الأولى: «بعد ساعات من وصولنا لدمشق سمعنا دويَّ انفجارات، حتى قبل أن نلقي نظرة من نافذة الفندق على المدينة، تم أخذنا على وجه السرعة في سيارات إلى مواقع الهجمات الإرهابية الوحشية، كانت لمبانٍ أمنية تهدَّم بعضها، مشاهد مرعبة لجثث قتلى، أشلاء دامية ممزقة تناثرت هنا وهناك، والمصابون أكثر عدداً.
أصبت بالغثيان حاولت التماسك رغم مخاوف انتابتني، فمنذ وصولنا وأنا أشعر بأن هناك من يراقبني، أنا مُراقَب أكثر من أني مُراقِب. بعد هذه الأعمال الإرهابية أشعر بعدم الأمان أكثر من أي وقت مضى في حياتي، صحيح أن حولي حماية رجال مسلحين لكني لا أعرفهم ولا أطمئن إلى نظراتهم، ومنذ وصولنا إلى موقع التفجيرات إلى حين مغادرتنا والإعلام السوري يضغط علينا للإدلاء بتصريح، لاحقونا حتى داخل السيارات كاد بعضهم يجر ألسنتنا من أفواهنا، سخروا من صمتنا، كأنهم ينظرون إلى ماكينات للحكي، يا إلهي كم أشعر بأني رهينة»!
يذكر ديبلوماسي عربي أن ديبلوماسياً غربياً قال له إنه يشعر بالأمان في سورية أكثر من أي بلد آخر! – طبعاً هذا قبل اندلاع الثورة السورية – وحينما سأله لماذا؟ أجاب بسبب كثرة الأجهزة الأمنية!
مع كل ذلك الأمن والأمان في تلك الفترة أيام الرئيس حافظ أسد لم يكن بالإمكان إطلاق نكتة عن الأسد ملك الغابة ولو همساً، ومخزون النكتة العربية مترع بالنكات على ملك الغابة، لكن في سـورية هـذا خـطر كبـير منذ أيام الأب القائد إلى الأبد.
الأسد ملك الغابة في سورية يطلق عليه السبع، ليس هناك سوى أسد وحيد في بلاد الشام، ويتم تناقل قصص مرعبة عن مصير من قال علناً نكتة عن الأسد فالوشاية جاهزة. لعدد لا يحصى من الأجهزة الأمنية على المتهم إثبات أنه لم يقصد الرئيس. وبعد أن حطمت الثورة تماثيل الرئيس الأب في أكثر من مدينة سورية تم تشييد تمثال ضخم للجندي السوري الأسبوع الماضي ودشن في حفلة شعبية مهيبة، هذا زمن الجنود وكأنه يخبر أن زمن الرؤساء إلى أفول.