لا ينافس المياه سوى الكهرباء في الانقطاعات، تطور السؤال من «كيف الحال؟»، الى «كم ساعة انقطع التيار؟». الخط البياني للخدمة ينحدر بشدة محطماً تصريحات ما زالت طازجة. «الحياة» أحسنت باختيار عنوان عن انقطاع الكهرباء في أحياء مختلفة من الرياض وحوطة سدير، اختارت «لا جديد»، وعدم توفر الجديد جاء من الكهرباء. إما الصمت او رمي المسؤولية على مقاولين، المسلسل يتكرر كل صيف، مع رسائل جوال تقول وصل عدد المشتركين الى…!
وقصة اليوم للمواطن عبدالله العريض الذي تطالبه وزارة المياه او المصلحة ربما الشركة وهم أسرة واحدة، بأن «يطلع العداد»، يعتقد المتحكمون بضخ المياه ان لدى عبدالله، عداد مياه آخر مخفياً ربما في جيبه العلوي أو تحت أساس عمارته الصغيرة – 200 متر – بحي البطحاء، وعليه فواتير لفترات مختلفة يصل مجموعها الى مبلغ يقارب 183 ألف ريال فقط لا غير! والرجل يشير بإصبعه إلى العداد الوحيد والظاهر على السطح، لكنهم في الوزارة والمصلحة يردون عليه «طلّع العداد؟» وإلا الضخ لن يعاد! البناية الصغيرة أصلها بيوت شعبية قديمة، يبرز لهم الرجل اوراق تصفية رسمية من جهات حكومية «معتبرة» فيأتي الجواب «طلّع العداد!؟» وهو مستمر على هذه الحال منذ عام 1428، اصبح العداد يتراءى له في المنام والقيلولة، وصل الى الوزير وأحيل إلى المصلحة والرد الجاهز «طلّع العداد!؟».
ولأنه «غلب وايته»، فالسقيا تتم عندنا بالصهريج، وقد أكلت الكلفة إيجارات العقار، اقترح الرجل على الوزارة ان يحفروا بحثاً عن العداد الخفي على حسابه الشخصي لكنهم بحسب ما ذكر رفضوا قائلين بحزم «طلع العداد».
تخيل «ينشب لك» موظف من موظفي الجباية حكومياً كان أو من قطاع مخصص، ويتهمك بإخفاء «عداد»، وعلى رغم أن البينة على المدعي الا انه لم يتبين شيء. مع هذا يستمر حبس الماء.
قلت ربما يكون عداد «قرين»… – ليش لا؟ – إذا كانت الشركة تفقد من شبكتها في الرياض 60 في المئة «تسرباً» فمن الطبيعي ألا تستطيع الوزارة المشرفة عليها العثور على عداد «قرين». اي بالله الا يمكن ان يكون العداد «للجيران» من الجان، فيرى المتحكمون بالمحابس والحنفيات سريان الماء من دون ظهور «عداد جني» غير مرئي للبشر؟
حسناً… لنترك الافتراضات مع ان حجة «المياه» مبنية على افتراض لم ترغب في اثباته او نفيه، فلا جهة تقول لها «ثلث الثلاثة كم»، لنحاول اقتراح حلول عملية. لدى شركة المياه مستشارون وخبراء فرنسيون وهي بمثابة نقاب لهم، وأخيراً صوت نوابهم في البرلمان الفرنسي على الملاحقة والغرامة لمن تلبس النقاب واحتمال ان يكون «العداد» «منقباً»… أمر وارد، فلماذا لا يستفاد من خبراتهم «التنقبية»؟!
أثارت رسالة قارئ كريم تفاعل مع قضية بيع شركة أرامكو لـ«بترومين» ذكريات، ففي بداية عملي بوزارة الصناعة والكهرباء شاركت في لجان – لدعم وتشجيع الصناعة الوطنية – مع بعض الإخوة الكرام من جهات مختلفة، كانت واحدة منها لمصلحة منتجات شركة بترومين، ولا أنسى انطباعاً تولد لدي عن بعض كبار العاملين في الشركة – آنذاك – أنهم «ناس غير»، في الشكل والمضمون، وعلى رغم ذاك الانطباع كنت حريصاً على استخدام زيوت بترومين لأنها تنتج من شركة حكومية، كانت لدي قناعة أن الحكومة لا يمكن أن تغش ونحن نخاف من الغش وهو كثير، لاحقاً جربت وفهمت أن الحكومة لا تغش لكنها مثل جسد الإنسان يصاب بالفيروسات والميكروبات.
أعود إلى الذكريات، بعد ذلك بفترة جاء مسؤول جديد للوزارة المعنية بـ«بترومين»، فانتشرت أخبار عن تغيير ديكور المكاتب في الشركة لتتناسب ألوانه مع ألوان نادي كرة القدم الذي يشجعه المسؤول الجديد، المشكلة أن ألوان النادي قد تصلح للملاعب لكنها لا تصلح للمكاتب، وفي الفترة التي سبقت ذلك بسنوات وتلته، لم تكن الصحافة بهذا المستوى من مساحة النشر لكن القصص عن ما يحدث في «بترومين» كانت رائجة في الأوساط المهتمة بالشأن الاقتصادي والصناعي تحديداً، ثم ظهرت شركة «سمارك» مثل قصر ضخم ينبت فجأة فوق الرمال وتكاثرت الحكايات عن تجاوزات في الشركة الجديدة ومتنفذين فيها، وعلى رغم عدم تحول قضية التجاوزات إلى قضية رأي عام بارزة على السطح الإعلامي، وفي وقت قصير يصدر قرار صارم من الملك فهد بن عبدالعزيز – رحمه الله تعالى – وتقوم شركة أرامكو بتصفية «سمارك»، حتى اعتبرت «سمارك» من الشركات الأقصر عمراً ويحسب لـ«أرامكو» أنها قامت بالمهمة بصورة قدّرها كثير من المهتمين.
تذكرت كل هذا، متأملاً فيه وقلبته فوق تحت، لأصل إلى نتيجة أن شركة بترومين كانت «معيونة» أي مصابة بالعين أو في الحد الأدنى «عليها العين» منذ ذلك الوقت، من هنا لا يستغرب أن تكون هذه نهايتها، ومن بقي من موظفي «بترومين» القدامى، خصوصاً من أرسلوا رسائل حري بهم أن يكتبوا ذلك التاريخ بعنوان «قصة شركة»، ستكون قصة مؤثرة وذات لزوجة عالية لا تتأثر بأعلى درجات حرارة المحركات، أعتقد أن فيها صورة مختزلة ومهمة لجانب من اقتصادنا النفطي.
هناك سؤال بسيط في قضية بيع «بترومين» يتزحلق من دون حاجة إلى زيوت تشحيم، ما فائدة الخصخصة إذا كانت ستلقي بالعشرات من الموظفين المواطنين خارج المكاتب وتستقدم عشرات الآسيويين؟ ما فائدة القيمة «المالية» للصفقة والدولة بكل أجهزتها تحاول وتضخ المليارات من الريالات للتعليم والتدريب وتدعم القطاع الخاص بصناديق مختلفة وتطالبه «بالذوق» لاستحداث وظائف جديدة أو إحلال مواطنين بدلاً من أجانب!! وكأننا نحارب أهدافنا.
خفّتْ موجة الاهتمام – الإعلامية – بالمسؤولية الاجتماعية للشركات، وتركزت خلال تلك الفترة الموقتة على تبرعات تقدمها الشركات، ومن الأمور الجوهرية التي غابت، مسؤولية شركات عن واقع متردي اقتصادي أو اجتماعي وأيضاً يشمل البيئة، هذه المسؤولية ناتجة من أعمال تلك الشركات وأسلوبها، حكومية كانت أم يتملك القطاع الخاص جزء منها، والقصد أساليب العمل والإنتاج وحصد المال، ومقدار الضرر الناتج من ذلك حتى لو لم يتم رصده بالأرقام، لأن دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة.
لا يقنع أحداً أن يساق أفراد المجتمع إلى مستنقع النهم الاستهلاكي بالضغوط الترويجية ثم التبرع بحفنة بسيطة من المال، أو تجميل وتزيين الاقتراض الاستهلاكي المدمر لأفراد المجتمع ثم التبرع برعاية حملة اجتماعية مدتها يوم ونصف اليوم، النتائج السلبية لكل هذا ستقع أعباء مكافحة آثارها مستقبلاً على جهات حكومية وهي أعباء تتراكم، منها وأهمها تحطيم الوعي الاستهلاكي والادخاري للمواطن، و»تقزيم» قيمة الإنتاج والترشيد، وإذا تأملت واقعنا تعلم إننا «نحن السوق»، وهي سوق شبه مستباحة، فالإعلان في كل مكان يضخ في اتجاه واحد بكل أسلوب ممكن من دون رقيب أو حسيب، أما الحقوق فهي الغائبة، انظر إلى حقوق المستخدمين للاتصالات أو عملاء البنوك وغيرهم، بل انظر إلى المتضررين من تلويث البيئة، لقد صدمت حقاً عندما لم تلتفت لا هيئة الأرصاد و»حماية البيئة»، ولا وزارة النقل لانتهاكات بعض شركات ومقاولين لحقوق الأرض عندما دفنت برك الإسفلت في البراري وما نتج من ذلك من أضرار وما سينتج لاحقاً في مسلسل بحيرات الإسفلت المخفية، يمكن لك تخيل وضعها الآن مع ارتفاع درجة الحرارة الناري، كما أن تضرر بعض سكان مهد الذهب وغيرها من أعمال مناجم واستخراج ليس عنا ببعيد. كيف يمكن لجهات إقناع الناس بعدم رمي المخلفات في الصحراء وأطراف المدن، وهي لا تفعل شيئاً أمام هذا.
وفي الدفع المتسارع للاستهلاك تمتلئ الشوارع بأوراق ومطويات الإعلانات التجارية لأسواق ومجمعات وغيرها، على رغم صدور قرار بمنع ذلك خاصة على أبواب المنازل، والأمانات التي يخصص من موازناتها أموالاً طائلة للنظافة لا تحرك ساكناً، في حين تطبق الغرامة – كما يعلن – على رمي النفايات من السيارات! ما هذا التناقض؟ فهل التخصص محصور في ملاحقة الأفراد لا غير.
إن المسؤولية الاجتماعية أشمل وأعمق من الدفع والمشاركة في فعاليات، الأساس إبعاد الأذى أولاً لتقليل الأضرار قبل الشروع في أعمال إيجابية إضافية، وهذا لن يحدث إذا ترك الحبل على الغارب كما يحدث الآن. النتيجة إن بحيرة الإسفلت المغطاة بطبقة رقيقة من الرمال ستكبر بيئياً واقتصادياً واجتماعياً.
العين تأكل أيضاً… تجوع وتشبع، يمكن القول إن العين تأكل قبل الفم أحياناً، لذلك تحسّ بالتخمة عندما تقع عيناك على موائد طعام زائدة عن الحد المعقول، والأخير يقع في دائرة النسبية، لكل فرد درجة «المعقولية» الخاصة به. لا أنسى قصة يرددها صديقي «أبو محمد»، إذ تجمعه علاقة تجارية برجل أعمال يسكن مدينة أخرى سافر إليها أبو محمد مع قريب له، وعلم رجل الأعمال فدعاهما إلى الغداء، حضر الضيفان ليجدا الداعي وأبناءه الثلاثة في الانتظار، وبعد «القهاوي» قدمت السفرة صحن رز ودجاجة واحدة، الطريف أن رجل الأعمال يمتلك مشروعاً للدجاج اللاحم! قلت يظهر أنه «يقدر الدجاج». كسر الداعي العرف الاجتماعي مرتين، تقديم «رأس» واحد… ومن الدجاج أيضاً…! لجمع من الرجال. ولن يخفف من هذا «الشرط» الاجتماعي وجود صحون أخرى من السلطات والإدامات، فإذا أقبل الناس على وجبة يرونها قليلة في الكم يصاب الواحد منهم بانسداد النفس «الأكولة»، ويظهر لي أن الجوع – هنا – أقرب إلى جوع عيون منه إلى جوع بطون، مع مسألة فيها نظر، إذ يراها البعض من عدم التقدير الشخصي. الأخير ارتبط برؤوس الخرفان وأحياناً عند وجبة العشاء بالتيوس، والحمد لله أنه لم يرتبط بالبعارين وإلا لانقرضت المزاين.
ومجتمعنا مفتون باللحم، خصوصاً الأحمر منه، أما الدجاج فيكون غالباً «وجبة غير رسمية»، في تقديمه شيء من «الميانة». هذا هو الواقع، وبين الشح والإسراف مسافات، كما بين الشح والترشيد مسافات، لكن الأول لا يظهر في إعلام الإنترنت مثلما تظهر صور موائد فيها مبالغات لا يمكن تبريرها، بل هي تدفع الى الخوف والحذر من سخط المنعم عز وجل. قارن متصفحو إنترنت بين «عزومة» عربية و «عزومة» أوباما مع ضيفه رئيس الوزراء الروسي في مطعم للوجبات السريعة، وفي المقارنة رأي واضح ضد الإسراف.
ونحن مقبلون على شهر كريم، شهر رمضان المبارك، بدأت الأسواق في طرح المعروضات، مع ارتفاع أسعار وازدياد عدد الفقراء، كلما ارتفعت الأسعار مع ثبات الدخل يعني هذا زيادة في عدد المحتاجين، حتى لو قال وزير الشؤون الاجتماعية «لم نفشل في مواجهة الفقر»! فهو لم يحدد الزمن اللازم لإعلان – عدم الفشل – بالأرقام المحايدة، لكنه كلام مرسل، وليس على الكلام جمرك، وإلا أين النجاح في مواجهة الفقر؟ أرجو ألا يقال في برنامج الامتياز التجاري!؟
إذا تضافرت الجهود وتوحّدت الرؤية والسلوك الاستهلاكي يمكن أن نخفف على الفقراء، بعدم الإسراف. لندع الأكياس الكبيرة والكراتين في مخازنها ونأخذ قدر الحاجة، من هنا أشيد بدعوة منتدى «مقاطعة»
http://www.mqataa.com/vb/showthread.php?t=26959
لحملة ضد الإسراف، للعام الثالث، وفيه نصائح مهمة للمستهلكين، والأمل أن يتطور الوعي الاستهلاكي إلى الأفضل فلا نقع ضحية لتسونامي الإعلانات و«أساطير» التخفيضات.
عندما أقرأ أخبار القبض على مجرمين، أسترجع معلوماتي عن فوضى وتسيب بل وبلادة مع تكالب على المال أصابت فئة منا، أستشعر عندها صعوبة المهمة على رجال البحث والتحري في مراكز الشرطة في السعودية، حال وقوع أي جريمة، بحثاً عن خيوط تقود الى الجناة. وإذا نظرت إلى وضع مجتمعنا الراكض وتفشي قيم الاستهلاك والتفاخر مع تزايد فقر وتكاثر جنسيات من كل حدب وصوب فسيمكنك إدراك صعوبة المهمة.
لا يكفي ان نشكر ونقدّر رجال الأمن المخلصين في عملهم ولا يكفي الدعاء لهم بالتوفيق، بل لا بد من المشاركة الإيجابية. رجال البحث والتحري في مراكز الشرطة هم من الجنود الغائبين عن الإعلام على رغم أن عملهم من أعظم الأعمال وأصعبها، وليس القصد ذكر أسماء، هذا لا يهم في تقديري لمن هدفه الإخلاص للواجب طاعة للمولى عز وجل ورفعة للوطن وحفاظاً على أمن الناس المسالمين.
القصد هو إعمال الفكر للبحث عن نقاط الضعف والقوة في المجتمع في كل ما من شأنه تيسير قيامهم بواجباتهم، وأعتقد أن هناك جهات حكومية تراجعت في أداء واجباتها ما أحدث ضغطاً اكبر على جهات اخرى منها رجال الأمن والتحريات. وحتى يكون للحروف معنى لا بد من ذكر بعض الجهات مثل الجوازات في ملاحقة مخالفي نظام الإقامة والمتسللين، ووزارة العمل في متابعة مخالفي نظام العمل، و «النقل» في فوضى سيارات النقل وعدم الالتزام بأهم الشروط الأمنية – على سبيل المثال تكاثرت سيارات ليموزين لا يضع سائقوها أرقام لوحاتها في المقعد الخلفي وأكثر مستخدميها من النساء والأطفال – وغير هذا من ثقوب لا يتسع المجال لذكرها، كل هذا يزيد من الضغط على الجهات الأمنية، والإعلام من الأدوات المؤثرة والمساعدة لرجال الأمن، إلا انه لا يستثمر لدينا بالصورة المطلوبة، نحن نفتقر الى إرشادات التوعية والتثقيف الأمني، والمطلوب تجاوز الاكتفاء بنشر أخبار عن جهود تمت، والبناء عليها، نحو مزيد من مشاركة أفراد المجتمع، مواطنين وغير مواطنين، المشاركة الإيجابية البناءة مع رجال الأمن، إما في التبليغ أو في الحذر من مكامن الخطر. وأتوقع أن لدى مراكز الشرطة من القضايا والحوادث ما يمكن ترجمته الى الكثير مما يفيد الناس وهو ما سينعكس إيجاباً – لو توافر بالشكل المناسب -على الحال الأمنية التي تعنينا جميعاً.