هل المسؤول أسيرٌ للنظام أم يستطيع تطويره؟ أقصد بالنظام مجموعة القوانين والإجراءات التي تحدد سير العمل في الجهة الحكومية. من نافلة القول أن المسؤول ملزم بتطبيق الإجراءات والأنظمة الصادرة، بل إنه إذا ما كان قيادياً يطلب منه حراستها، هنا تأتي «لكن»، التي لا يحبها البعض رغم أنها إذا جاءت في محلها، تفتح العيون على نقاط عمياء لم ترها. لكل نظام وإجراءات أهداف يجمعها هدف كبير هو «اللب» والمطلوب إنجازه.
نعم، لقد ثبت أن المال لم يكن كل المشكلة، انهمر المال واستمر التعثر، يكشف هذا حقيقة وأهمية حسن توظيف الأموال، معلوم هنا أن من مهام وزارة المالية التأكد من حسن توظيف الأموال المعتمدة لهذه الجهة أو تلك، وهي تعمل لأجله، لكن بأسلوبها… القديم.
وكما يذكر – بعض المعنيين- وزارة المالية تعتمد عند نقاش الاعتمادات على المفاصلة «المكاسر بالعامي»، بهدف خفض الرقم المطلوب وكأنه الهدف الأسمى، وقد يكون ذلك مقبولاً إذا لم يحدث ضرراً بالجودة ومدة التنفيذ، عند الأخذ بأقل الأسعار مثلاً، أو الهرب إلى «الأوت سورسنق» لتجاوز توظيف مواطنين «رغم مشكلة البطالة!»، بهدف خفض الكلفة، وهو ما استشرى للأسف. وفي أواخر كل سنة مالية نرى ونسمع عن عقود توقع من بعض الجهات الحكومية للتخلص مما تبقى من الاعتمادات حتى لا تعاد إلى المالية، أيضاً يشير – بعض المعنيين – لقضية «الممثل المالي» وكيف أنها استوردت «إدارياً» من دولة عربية وبقيت بعد أن عفى عليها الزمن، و«الممثل المالي» هو عين ويد المالية في الجهة الحكومية كما يفترض، وهو يستحق ملفاً صحافياً بألوان قوس قزح!
هذه نتف، ليس إلا، فقائمة الملاحظات طويلة عن أسلوب عمل المالية، كما أن الطرح ليس موجهاً ضد الوزير الدكتور إبراهيم العساف، فالمالية – والشهادة لله تعالى – كانت كذلك في السابق، وهي ما زالت التبرير المستخدم لكثير من الجهات، ولا يمكن قبول تبريراتهم على علاتها، خصوصاً أننا رأينا جهات أساءت استخدام أموال، أيضاً لا يمكن قبول صمت المالية وعدم اهتمامها بما ينشر في وسائل الإعلام، مؤكدٌ أن لدى وزارة المالية وجهة نظر فيما يطرح فلماذا لا تكشف عنها.
…
في السابق كنا نتضاحك على تكرار مصطلحات في نشرات الأخبار مثل «المنعطف الحاسم» و«المرحلة الدقيقة»، وها نحن نعايشها ونتعامل معها بأسلوبنا القديم.
هناك مثل شعبي يقول «قال خذ خير قال ما عندي ماعون»، ويقال أيضاً «… ما عندي شليل»! وهو طرف الثوب إذا جمع فيصبح كـ «البقشة»، وحال صحافتنا المحلية وكتَّابها مع كثير من المسؤولين ينطبق عليه هذا المثل الشعبي، بل إننا في ما نكتب أقرب إلى المحرّج «الدلّال» في حراج «ابن قاسم» ننادي بصوت مكتوب… «من عنده ماعون»! وعلى طاري الحراج، كتّاب الصحف وأنا منهم مثل راديو يحمله «الدلّال» في سوق الحراج، الراديو «يلعلع» بصوت مرتفع لكن لا أحد ينصت إليه، إنما الجميع يعلمون أنه يشتغل!
الحال يذكرني بأيام الطفولة المبكرة، إذ كان هناك رجل يدور في الأحياء الشعبية منادياً بصوت مرتفع «من عنده زري»، أيام كان السعوديون يكدون في العمل المهني وهم الآن يعودون إليه بسبب الحاجة، كان الرجل يستخلص «الزري» الأكثر قيمة من الملابس القديمة ويستفيد ويفيد، على النقيض ممن يقول ولو صمتاً وإعراضاً… «ما عندي ماعون»!
والأمثلة على مسؤولين «وجِهَات» بصمتهم وعدم تفاعلهم، تفاعل الاستفادة، وكأنهم يقولون… «ما عندي ماعون»، كثيرة، لكن نأتي بالطازج منها.
كُتِب عن نشاط وزارة الحج الكثير غالباً بالتلميح وأحياناً بالتصريح، من قضايا مؤسسات الطوافة والمطوفين وانتخاباتهم، إلى حملات الحج ومؤسساتها الداخلية والخارجية ومخيماتها، أسعاراً وخدمات، وتخصيص… على التوالي. من دون فائدة تذكر، الآن لا حديث للناس إلا عن وزارة الحج بعد كف يد موظفين فيها عن العمل، للتحقيق معهم، واتهام بعضهم بـ «قحش» أموال وأراضٍ ورشاوى، إلى آخر ما نشرته الصحف. كان من الممكن لو أنصت البعض لما ينشر في الصحف من تلميحات فعل الكثير، تخيّل أن تقضي شطراً مهماً من حياتك في العمل الحكومي وتنتهي بمثل هذا والعياذ بالله، وكما يقال «الشر يعم والخير يخص»، فحتى لو لم تثبت التهم على أفراد بعينهم، الضرر الشخصي حدث، وهناك أموال مفقودة لا بد أنها مودعة في حساب ما.
ما يجب الاهتمام به من الجهات الرقابية في هذه القضية وغيرها «قضايا كثر توقَّف الحديث عنها»، هو أن نشر أخبار التحقيقات وكشف قضايا فساد لا يكفي حينما لا تتم سرعة البت فيها وظهور التفاصيل، أما الدوران في دهاليز بيروقراطية اللجان من دون الكشف الواضح فهو يحقق أضراراً أفدح من فساد تمّ، إنه يمثل بيئة خصبة لمزيد من الفساد النوعي، في مقابل فقدان ثقة المواطن في جهات الرقابة والتحقيق.
أحياناً نخلط توقعاتنا بالأمنيات، ربما هذا من جذور التفاؤل، ومن هذا المخلوط، أتوقع تجاوز حالة الجفاء بين وزارة المالية ووزارة والتخطيط والاقتصاد، التي بدأت منذ اقتطاع الاقتصاد من المالية.
….
«الإخوان» أقصد الأخوة رئيس وأعضاء اللجنة التي حققت في قضية شفط شركة «وطنية» للمشتقات البترولية لأكثر من عشر سنوات، أوصوا بغرامة 70 مليون ريال كما نشر في صحيفة الشرق، هل يتفضلوا علينا ويجبرون خواطرنا فيخبروننا، كيف كانت حسبة مبلغ الغرامة مقابل «حصيلة» الشفط، فقط حتى يتعلم المواطن منهج المحاسبة؟
…
أحترم كل الجهات الحكومية و«الخاصة» في السعودية التي لم تحصل، أو لم تسعَ للحصول على جوائز عالمية في الجودة أو التنافسية أو الريادة، وكل ماله علاقة بالتشويش اللامع من تلك القشور والألعاب النارية المتلاشية. أحترم تلك الجهات مهما كان الرأي في عملها، أقلها هي لم تحاول أن تأكل بعقولنا حلاوة طحينية كما فعلت أخرى.
…
النقد البناء -حسب فهم البعض- هو الذي لا يقول شيئاً في أي شيء، لكنه يسد الأذان والعيون.
….
الفساد يحتاج إلى فوط أو «مناشف»، بعضها يستخدم لمرة واحدة ثم يرمى، البعض الآخر مواصفاتها تتحمل كثرة الغسيل، حتى إذا اهترأت تستخدم «وطاية» عليها عبارة «أهلاً بكم». في كل الأحوال يلتصق بالمناشف بعض مما جففته.
….
الذين يعتقدون أن الفساد خف وانكف، و«استحى على وجهه»، مع بدء عمل هيئة مكافحة الفساد و«حماية النزاهة»، وتزايد نشر الصحف، مخطئون، انسدت نفسي مما يصلني وأصل إليه، إنه بحق زمن المناشف.
….
أطرف ما سمعته مؤخراً – من مصدر «لا تعلّم أحد»، حصول منشأة على ترخيص بأثر رجعي، ولأجل «عين» تكرم التراخيص، الآن فهمت لماذا يقول عنا البعض «رجعيين»!
مثلي ومثلك لابد أن لكل مسؤول رؤية محددة عن عمل جهة حكومية أخرى، يديرها مسؤول آخر، الفرق أننا معشر الكتاب ومعنا كثير من القراء نكتب ونقول وجهات نظرنا، لكن من النادر أن يتحدث مسؤول في شأن إدارة مسؤول آخر، يبرز هذا النادر للواجهة حينما يحدث خلاف علني حول مشكلة أو كارثة حدثت، لكنه يحصر في أضيق حد، فيقال: «هذا من اختصاص جهات أخرى»، وإذا فاض السيل يقال: «المالية ما عطونا فلوس»، بالطبع ثبت للقاصي والداني أن عدم توافر الأموال لم يكن السبب الوحيد للإخفاق وتعثر المشاريع والتأخر في توفير الحاجات قبل تكدسها، بل ان توافره أحياناً أدى إلى عكس المبتغى!
أعود لصلب موضوع اليوم، من النادر أن ينتقد وزير أو مسؤول، «عمل» زميل آخر له حتى في المجالس الاجتماعية، يمكن حدوث هذا همساً مع الأصحاب الخلص، أما إذا تم التصريح برأي فإنه يأتي بطريقة غير مباشرة- يأخذ الدائري غالباً- يمكن تفهم هذا باعتباره من الأدب واحترام الزمالة.
من هنا نرى أن بعض المسؤولين مثل الألغاز المتحركة.
ومع التعديل الوزاري الأخير، سنرى إن كان لدى من تم تعيينه أو نقل من جهة لأخرى رؤية أفضل وقدرة أكبر لتحسين العمل والوفاء بالاستحقاقات المتراكمة.
إلا أن ما يدور همساً ويعتبره البعض من سلبيات الإدارة الحكومية لدينا وأحد أسباب التعثر والدوران في حلقة مفرغة أن بعض المسؤولين لا يحاول البناء على ما تم بقدر ما يجتهد في طمس عمل من سبقه، ولن أورد أمثلة على ذلك مع توافرها، حتى لا يفهم أن الغرض استهداف شخصي لأحد.
إن تحقيق المجد الشخصي «أقصد العملي منه وما ينفع الوطن والمواطن» ووضع بصمة واضحة المعالم لا يأتي بالحرص على طمس أعمال آخرين ممن جلسوا على الكرسي نفسه، بل بتحسينها والبناء على الإيجابي منها، والحد من السلبي حتى ولو كانت له جذور مدفونة في الإدارة التنفيذية، الشواهد على تلك الملاحظة في الوزارات والهيئات والمؤسسات أمر مكشوف للعموم حتى ولو لم يتحول إلى مانشيتات صحافية، ومثلما أن تحقيق النجاح الشخصي «الوطني» لا يأتي بالهدم بل بالبناء، فهو أيضاً لا يأتي بالمفرقعات الإعلامية وكثرة استيلاد البرامج والعقود التي لا يرى منها سوى صور حفلات التوقيع.
في معظم الأماكن العامة ستجد من يبحث عن أذن يصبّ فيها شكواه، فإذا جلست تنتظر في ردهة مستشفى – مثلاً – ستجد من لا تعرفه ولا يعرفك يشتكي من الأوضاع الصحية، ويخبرك تفاصيل وأسماء عن المستشفى، وأخرى تخص أحواله وأسرته، وإذا كان موقع الانتظار في جهة أخرى ستكون دهاليزها هي محور البث، وكلما كنت مستمعاً زادت قوة البث، وقد يأتي الأخير من جهتين متعاكستين حينما تقع بين محطتين، كل طرف يسحب الطبلة والصيوان، حتى يشعر المستمع «اضطراراً» كأن هناك من يشد إذنه بلسان تحول إلى خطاف، والشاهد أن الناس الذين يبحثون عن قناة للتنفيس يتكاثرون، وهو – في مجتمعنا – أمر اختلف عن السابق. كان الناس يكتفون بالصمت مع رصد الحركة بالأشعة الحمراء، أو فضول بسؤال الآخر عن «أحواله» والتوقف عندها.
والبحث عن منفذ لطبلة أذن صغيرة كلما أمكن ذلك، يشير إلى أن الأذن الكبيرة لم تعد تنصت، ربما بسبب تكاثر الأصوات أو أنها حددت أصواتاً معينة دون أخرى تستحق التفرغ للاستماع إليها دون غيرها، فالأصوات لها مراتب وطبقات، والأذن الكبيرة يقصد بها جهات معنية بقضايا الناس كل فيما يخصه، فكل جهاز له آذان يفترض أن تعمل بنفس لياقة اللسان، لكن استمرار الشكاوى وتصاعدها هو الحاضر الظاهر، والمشكلة التي قد تغيب عن الأذهان هي أن وظيفة الأذن في الجسم تتجاوز الاستماع إلى أمر آخر هو حفظ التوازن، وأي عطل في الأذن «أو تخمة» قد تسبب حالة عجيبة من عدم التوازن تجعل صاحبها يشعر بالطفو أو السقوط، وفي كلا الحالتين هو ليس بخير على الإطلاق.
ورصد الحاجة المتزايدة للفضفضة يقيسه الكاتب بما يراه ويسمعه، وأيضاً برسائل قرّاء تصر على الاتصال الهاتفي لبث شكوى لم تعد الكتابة عنها «لتراكم حجم كبير منها» تحدث فرقاً، لكن المتحدث بعد تفريغ الشحنة يشعر براحة كبيرة، لذلك يفضل توفر «تأريض» مناسب للكاتب لتفريغ الشحنات، كأن يكتب في الدور الأرضي! والأذن الكبيرة مثل الصغيرة تتكيف مع الأصوات إذا تكاثرت، حيث تصبح جزءاً من الروتين اليومي أو الدوام بلغة الوظيفة، كصوت أزيز المكيف عند البعض لا يحلو النوم إلا باستمراره، ولا يحدث الفرق في الإقناع بالإنصات والتحريك إلا برفع الصوت لدرجة أعلى، لذلك ترى من رزق هذه «الموهبة» أي طول اللسان – عند الحاجة – يفتح الدروب ويتجاوز العقبات لتحقيق مراده، في حين يقبع من يلتزم ما يطلق عليه الأدب أو السلوك الحضاري في مكانه، وهو ما يدفع إلى سؤال عن حقيقة وغاية الحث على الأدب في مجتمع لا يحترم صاحبه.. فهل من غاية أخرى غير التطويع والتكييف؟