شجرة لا تورتة!

حتى هذه اللحظة وعلى رغم انتشار الظاهرة المستوردة لم أستطع استيعاب أن يضع الواحد منا اسماً لمن يحب أو صورة له على تورتة أو كيكة محلاة ومزينة ليحتفل بتقطيعها بالسكاكين ويأكل منها ويؤكل من حوله!
ومثلما هو في العلاقات الإنسانية مع من نحب أو نقدر ونريد إيصال رسالة مشبعة بالمشاعر الجميلة تلك، فهو أيضاً غير مستوعب «مني على الأقل» مع الوطن وتجاهه.
ليس في ذلك ادعاء مثالية، لكن اذا كانت ظاهرة الاحتفالات الشخصية قد طغى عليها تقطيع الكيكات والتورتات، فهي لا تستقيم مع احتفال بالوطن، لاحظت هذه السنة اكثر من غيرها كثرة تسويق قوالب المعجنات المحلاة تحت «بشت» اليوم الوطني وبالأخضر والابيض، وما اريد قوله ان نظرتنا للوطن يجب ان تكون نظرة إلى شجرة لا إلى تورته تنتهي بانتهاء الاحتفال بها او تلاشي طبقة الحلا منها ومغادرة المدعوين، وذاك ما يجب ان يغرس في اذهان أطفالنا وشبابنا، شجرة تحتاج الى الكثير من العناية والحفظ والصيانة، ولا أشك لحظة بالمشاعر الوطنية للذين يكتبون أو ينحتون ابيات الشعر والاناشيد والاغاني والشيلات، أو حتى يلفون بالسيارات مع أعلام مرفوعة، تمجيداً للوطن وتغنياً بحاضره وطموحاً لمستقبل مشرق له، فهو مستقبلنا ومستقبل ابنائنا. وكل هذا له حاجة، فهو كالمغذيات الموسمية بعناصر مفيدة – إن وظفناها التوظيف الصحيح – مثلما تحتاج التربة الى عناصر مغذية، إلا انها مع ذلك ليست كافية وحدها، فالوطن بحاجة للعمل الإيجابي أكثر من حاجته للقول، العمل الذي يلمس المواطن فائدته ويحس بها له ولاخوانه واخواته المواطنين.
لنحتفل بشجرة الوطن، ونغرس أهمية العناية بها لتكبر وتخضر أكثر وتثمر، ولنحرص على الذود عنها وحمايتها، فهي مظلتنا مجتمعين.

كُتب في الحياة | إرسال التعليق

وزير في العاصفة

يواجه وزير التربية والتعليم الدكتور أحمد العيسى عاصفة قوية من النقد والاعتراضات يشوبها «التشويه» المتعمد في «تويتر» مع وسائل تواصل أخرى، بعض هذه الانتقادات لها أسباب وجيهة تستحق النقاش بهدوء ورقي في الطرح، سعياً للوصول إلى المصلحة العامة للطالب والمعلم والتعليم، وبعض آخر يبرز فيه الكيد والتشويه، مثل تحميله نشر صورة دس عليها صورة أخرى لا علاقة لها ولا له بها بشكل مباشر وسط جهاز ضخم من الإدارات والموظفين، استخدام الأخيرة لحشد الأصوات ضد الوزير من الفجور في الخصومة، أياً كان رأيك في أسلوب عمل الوزير وقراراته.
إنها توضح للأسف أن النقد في وسائل التواصل ليس بالضرورة له هدف بناء، وتكشف إمكان استخدام أي أسلحة «غير شرعية» ضد المستهدف، وهذا ليس من الأمانة في شيء، بل إنه يضر في أساس نقاش قضية التعليم ورأي قطاعه أو كثير من موظفيه في أسلوب عمل الوزير.
ينظر البعض إلى أن الوزير لم يسبق له أن خاض التدريس في التعليم العام، ولذلك فلا خبرة لديه في أوضاعه، والزيارات الميدانية في العادة تكون مرتبة ولا تكشف حقيقة الأوضاع، وفي العلم أن التعليم العام والمدرسة في حال متردية، بل إن هذه الحال مكنت وأسهمت من نشوء القطاع التعليم الأهلي وكبر حجمه وقوته في مقابل الضمور الحكومي، والحديث عن العلاقة بين طرفي هذه المعادلة قديم ومعروف يحتاج إلى فحص جريء للكشف عن أي تضارب في المصالح.
ماذا سيفعل الوزير إمام هذه العاصفة في بداية العام الدراسي؟ أعتقد أنه مدعو لنقاش قراراته، وخاصة ساعة النشاط والنظر في إمكان تطبيقها في ظل أوضاع المباني المدرسية وعدم وضوح وجهة استغلال هذه «الساعة» مقابل الآثار المترتبة على تطبيقها. هذه خطوة صغيرة وضرورية، أما الخطوة الأكبر فهي إعادة النظر في أسلوب الإدارة في الوزارة الضخمة، والإنصات لآراء البعيدين عن المصالح الضيقة.

 

كُتب في الحياة | إرسال التعليق

السائق البليد

لديه شعور طاغ بالأمان، لذا لا يتردد عن التوقف في منعطف خطر على طريق سريع والسبب إطار مثقوب أو «منسم»!
لا يطرأ على تفكيره أن العطل البسيط قد يكلفه حياته وحياة آخرين، قيمة العجلة بحديدها ومطاطها لا تساوي شيئاً في مقابل المفاجآت المرعبة التي تنتظره وسائقين آخرين، وقد يكون عطلاً أوقف السيارة بلا حركة، لكنه مع ذلك يضيف إلى خطر وجود مركبة متوقفة خطر وقوفه بجوارها.
السائق البليد لا يتورع عن التوقف في مدخل طريق سريع لأنه سمع صوت خشخشة في سيارته، يترجل من المركبة ليدور حولها مطمئناً وكأنه يتجول في مزرعة جدته في صباح منعش، فلا تؤثر في بلادته أصوات أبواق سيارات السائقين المحتجين، ولا صرير العجلات واحتكاكات إطارات المركبات الأخرى على الأسفلت من وقع المفاجأة.
البلادة غلاف سميك يحيط بالإحساس والسائق البليد لا يرى كل هذا العالم المسرع حوله ولا يحس به، وربما يقف قريباً من وسط الشارع وقد يترك باب سيارته مفتوحاً ويفتح غطاء المحرك يتجول حولها وكأنه في كراج منزله.
ولأن البلادة غلاف سميك يقف على يسار الطريق الذي يقود فيه العقلاء بسرعة 100 كلم في الساعة والمجانين يضاعفون الرقم كلما استطاعوا لذلك سبيلاً.
لكن كل هذا البرود يتبخر وكل هذه البلادة تتلاشى حينما يستوي خلف مقود مركبته ويريد تجاوز سيارة أمامه، البرود والبلادة يتحولان إلى طاقة حرارية تغلي في الدماغ ليدعس على دواسة الوقود مندفعاً غير عابئ بظروف السائق الذي أمامه، لا تردعه لوحة تحدد أقصى سرعة ولا عدم إمكان فتح الطريق لأي ظرف محتمل، ولو أمكنه السير على حافة الحاجز الأسمنتي مثل وزغ لفعل.

كُتب في الحياة | إرسال التعليق

الصدمة

قل ما شئت عن هذه الجريمة، شنيعة، نكراء، بشعة لا يتصورها عقل! لكن كل الكلمات لا يمكن أن تصف هول ما اقترفت يدا المجرم وصدمة المجتمع، وأقصد جريمة دهس الأم (رحمها الله وعظم أجر ذويها) عمداً من ابن لها على طريق رماح!
مؤكد أن الشرطة تقوم بإجراءاتها لمباشرة هذه الجريمة في حدود صلاحياتها، لكن من الذي سيفكر عنا في أسباب هذه الجريمة وهل هي ليست مؤشراً إلى ملفات لم يهتم بها حقيقة الاهتمام الفاعل المؤثر.
وليس من المعروف حتى هذه اللحظة هل كانت المخدرات سبباً لاقتراف هذه الجريمة أم هو اختلال نفسي عبث بعقل الجاني، إلا أننا نعلم أن الصحة النفسية في المجتمع والاهتمام بها ليسا في الشكل المأمول، وهي ظلت فترة طويلة بعيدة من احتلالها قائمة الأولويات، ومع تراجع الخدمات الصحية تراجعت هي بدرجة أكبر.
إن كثيراً من الأسر التي ابتليت بمريض نفسي أو مدمن مخدرات تعاني في التعامل معه ولا تجد العون المطلوب من الجهات المعنية.
وفي حين لا يحصل مثل هؤلاء على العناية اللازمة والتعامل المناسب الذي يقي أسرهم ومجتمعهم الأخطار المتوقعة، يسمح لهم أو لا يوجد قانون يمنعهم من قيادة مركبة أو التجول في الطرق، وربما هذا يفسر بعض الجنون الذي نراه في شوارعنا، والعنف الذي نلمسه في مشاهد مصورة.
أليس هذا الملف من الأهمية لأن يكون أولوية مطلقة؟ لا يأتي الأمل من تسمية مستشفى باسمه، بل لا بد بأن يكون الأمل حاضراً بعيداً من أعذار عدم توافر ونقص إمكانيات والصرف في مناحٍ أخرى على أشده!
أعود إلى سؤالي هل هناك من سيفكر عنا ولنا لحل جذور هذا «الألم»؟ فجريمة دهس الأم ليست إلا نتيجة لما هو أعمق وأكثر تشعباً، والجهات المعنية من وزارة صحة وشؤون اجتماعية وغيرها مسؤولة، فكيف نهتم بتعنيف فرد في أسرة ولا نهتم بتهديد لحظي لكل الأسرة؟

كُتب في الحياة | إرسال التعليق

التعليم وشراهة الاستهلاك

ألوان التشجيع على الاستهلاك غير المحمود والكمالي تعددت وأصبحت منافذ الترغيب والتسويق أكثر من أن تحصى، وهي مثل وحوش ملونة تطبق على الأسرة من كل حدب، كما أن سهولة الشراء عن طريق مواقع البيع والتوصيل وسهولة الوصول اليها من خلال الأجهزة زادت حمّى الاستهلاك. هذا الواقع يؤثر على الأطفال والنشء أكثر من غيرهم، حتى أصبح كل بيت يشكو من كثرة طلبات لا حاجة لها سوى أن هناك إعلاناً يرغّب بها بتخفيض أو سلعة جديدة.
وزارة التربية والتعليم يمكث الطلبة والطالبات في فصولها ساعات طويلة كل يوم دراســي زادت ساعة هذا العام كما أعلن، من هنا عليها واجب استثمار هذا الوقت الطويل بزرع مفاهيم إيجابية وتربية صلبة للنـــشء تضع الاستهلاك في حدوده المعقولة، وتعطي قيمة للحد منه وأنه ليس دليلاً على السعادة أو المتعة، لتحد من الانجرار وراء هذا الشره الاستهلاكي والتقليد والمحاكاة الذي أصاب المجتمع منذ زمن غير قصير.
جرعات من التوعية المناسبة وابتعاد إدارات المدارس العامة والأهلية «الخاصة» من استغلال وجود هذه المجاميع من «المستهلكين»، من ضرورات التربية السليمة إذا اردنا بناء مجتمع ينتج أكثر مما يستهلك ويصرف أقل مما يجني، ويقدر قيمة المال والسلع ليصرف في ما يفيد حقاً
إن سهولة الانزلاق في المدارس إلى الترغيب في الاستهلاك والتفنن فيه للطلبة والطالبات سواء في أدوات مدرسية أو غيرها واضحة المعالم، ولا بد أن تقوم وزارة التعليم بوضع خطط للتوعية الصارمة، لتكون البداية في إدارات المدارس والمعلمين والمعلمات، فهم القدوة وهم من ينظر إليهم الطالب والطالبة كقدوات وينصت إليهم.

كُتب في الحياة | التعليقات على التعليم وشراهة الاستهلاك مغلقة