الغوص في خفض الإنفاق

لا يفرح عاقل بخفض رواتب أية شريحة من المجتمع، فحتى من باب المصلحة الضيقة هو سينعكس عاجلاً أم آجلاً على الآخرين، لكن للضرورات أحكاماً. وقرارات خفض رواتب الوزراء ومن في مرتبتهم، ومكافآت أعضاء مجلس الشورى، لها دلالاتها الرمزية، ورسالة واضحة للعموم.
خفض الإنفاق الحكومي هو واحد من الأهداف الرئيسة المعلنة لهذه المرحلة، وهناك الكثير من المساحات البعيدة عن تأثر الشريحة الأدنى دخلاً لتحقيق ذلك بما يكفل توظيفاً أفضل وأكثر جدوى للموارد المالية، وهذا يعيدنا إلى المربع الأول، الموازنة وأسلوب التعامل معها من وزارة المالية «وبنودها» ومفاوضاتها مع الأجهزة الحكومية.
يمثل ذلك أحد «تبريرات» الصرف غير الرشيد من أجهزة حكومية في فترات ماضية، إذ يقال إن المتبقي من المال المرصود سيعود إلى وزارة المالية إن لم يتم إنفاقه، ليصبح معياراً عند الجلوس لنقاش موازنة الجهاز المقبلة.
في جانب آخر لوحظ تزايد ظاهرة خلال سنوات الطفرة الأخيرة مع الوفر المالي آنذاك،
فالمنافسة على «الكفاءات» الإدارية – كما توصف – دفعت أجهزة حكومية لتخطي الأنظمة بأساليب متعددة، إما من طريق شركات تابعة لها أو شركات تتعامل معها، وكان من الشائع القول إنه لا تمكن منافسة القطاع الخاص أو «استقطاب» كفاءات منه إلا باللجوء إلى هذه الطرق. وتم التوسع في ذلك، حتى سمعنا عن رواتب فلكية فيها مبالغات لا تتوافق مع هدف خفض الإنفاق الحكومي، خصوصاً وأن المورد واحد. حالياً انضم إلى هذه الظاهرة العاملون على الرؤية والتحول من مستشارين أو غيرهم، سواء من طرف ماكينزي أم حوله وحواليه، ومن المستغرب أنه لم يعلن حتى الآن عن الكلفة الفعلية لهذه الاستشارات وطريقة تقييم جدواها، مع ملاحظة أن هذه الاستشارات لم يتضح منها أية مبادرات أو برامج محفزة للاقتصاد، لا سيما للمنشآت الصغيرة والمتوسطة.
إن ما يعني المواطن ويجعله متفهماً وداعماً لترشيد إنفاق حكومي يطاوله مباشرة أو قد يمس دخله بصورة من الصور هو أن يعلم بوضوح أن الخطط على الطريق الصحيح، وللأسف أنه في هذا الجانب الحيوي الحضور هو الاستثناء والغياب هو القاعدة!

كُتب في الحياة | إرسال التعليق

بيوت الخبرة بين المعجل والاقتصاد

ليلة اليوم الوطني بث مقطع على اليوتيوب بعنوان: «لم نخطئ في حق أحد»، يظهر فيه عادل المعجل محاولاً تبرير وشرح ما تعرضت له مجموعة محمد المعجل من خسائر، ثم إيقاف أسهمها عن التداول، ملقياً باللوم على أوضاع قطاع الإنشاءات في السعودية وعلى جهات حكومية بالدرجة الأولى. أعاد اختيار التوقيت لذاكرتي التهيئة الأولية لطرح المجموعة للاكتتاب، تلك الحملة الإعلامية التي خاطبت الوطنية والوطن، حتى إنني وقتها تساءلت من هي هذه الجهة أو الشركة التي تنفق أموالاً على صفحات كاملة في الصحف «تُهمز» فيها «وتر» الوطنية؟ قصة مجموعة محمد المعجل لا تحتاج لإعادة سرد، إنما في ما يخص الضرر الواقع على المساهمين فإن المسؤولية في ذلك من الموافقة والطرح للاكتتاب وعلاوة الإصدار تقع على المسؤولين في جهات حكومية سمحت ووافقت ورخصت بذلك.
إن رخص وموافقات الأجهزة الحكومية تعني في ما يفترض الثقة بصلاحية وجودة ما تم الترخيص له، وإلا ما هي وظيفتها؟ ومع أنني لا أعتقد أن التحقيق سيطاول من دقق ومنح الموافقات، أركز على نقطة مهمة أوردها الأخ عادل في مقطعه.
قال في حديثه عن الطرح وسعره والاكتتاب الذي وصفه بالناجح جداً، إنهم في المجموعة التزموا بتوجيهات الهيئة والمستشارين العالميين وأورد أسماء عدد من المؤسسات الاستشارية، واصفا إياهاً بالأفضل عالمياً.
نتيجة استشارات هذه المؤسسات «العالمية» أمامكم الآن عشرات الآلاف من المساهمين المتضررين مع تضرر سمعة الاقتصاد والسوق والثقة بالاكتتابات والحكومة.. إلخ، ومعه أيضاً شكوى من عادل المعجل نفسه ووالده بأنهم تضرروا مما وصلت إليه الأمور، وأنهم بحسب قوله وضعوا ككبش فداء.
أعود إلى الرؤية الاستشارية العالمية وما أدت اليه بشراكة «موافقة» حكومية ممثلة في هيئة سوق المال، هذا يستدعي بالضرورة إضاءة إشارة حمراء للتوقف عندها ونحن الآن نضع كل الاقتصاد الوطني ومستقبل الوطن برهن رؤية استشاري «عالمي»!
ومن ناحية الاستفادة من الأخطاء اتفق مع عادل المعجل إنما لا يمكن الاستفادة من الأخطاء إلا بالتحقيق في مسبباتها بحيث لا يمكن تكرارها مع رد الحقوق لأصحابها وتحقيق العدالة في من وفر الفرصة لحدوث هذه الأخطاء الجسيمة حكومياً كان أو من القطاع الخاص.

كُتب في الحياة | تعليق واحد

دعم المنشآت الصغيرة أم دعسها؟

في زمن مضى أطلقت الهيئة العامة للاستثمار مبادرات «إعلامية» لجذب استثمار رأس المال الأجنبي، احتلت صفحات الصحف والتقارير الإخبارية عبر البحار والفيافي، وكانت المحصلة ما شهدناه من جذب «استثمارات» المطاعم والمشاغل، وكان من نتائج ذلك خروج الكثير من المستثمرين المواطنين الصغار من السوق في قطاعات مختلفة.
ومنذ وعيت على الاهتمام بالشأن الاقتصادي وهناك عناوين رسمية تتكرر، تنويع مصادر الدخل، ودعم المنشآت الصغيرة، الأول لم يتم النجاح فيها، على رغم الوفورات المادية الضخمة في سنوات طفرة أسعار النفط الأخيرة، في حقيقة الأمر لم يتم العمل على ذلك عملاً مؤسساً برؤية واضحة، الآن يتم تنويع مصادر الدخل الحكومي من توليد الرسوم، والتي «تشفط» في منتهى المطاف جيب المواطن البسيط!
سباق الرسوم هذا بين الجهات الحكومية يحتاج إلى وقفات لاستشراف المآلات المحتملة، كان الحديث عن مصاعب تتعرض لها المنشآت الصغيرة، فتم ضم المتوسطة لها.
وإذا ما تأملنا في هدف إنشاء هيئة عامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، والذي جاء على النحو الآتي: «تهدف الهيئة العامة إلى تنظيم قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة في المملكة ودعمه وتنميته ورعايته، وفقاً لأفضل الممارسات العالمية، لرفع إنتاجية المنشآت الصغيرة والمتوسطة وزيادة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة الطاقة الاستيعابية للاقتصاد السعودي، بما يؤدي إلى توليد الوظائف وإيجاد فرص عمل للقوى العاملة الوطنية وتوطين التقنية»، فهل يمكن لهذه الهيئة العمل على تحقيق هذا الهدف في ظل ظروف حملة الرسوم الحكومية؟
فالدعم والرعاية والتنمية التي وردت سبباً وهدفاً أول في قرار الإنشاء لا تتوافق إطلاقاً مع سياسات الرسوم التي يُعمل على لائحتها التنفيذية هذه الأيام.
تم التأخر كثيراً في إنشاء هيئة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وكانت السوق ولا تزال محتكرة للمنشآت الكبيرة وما فوق الكبيرة، إذ تتسيد الساحة منذ زمن طويل، وحين تولد هيئة للاهتمام بالصغيرة والمتوسطة يتم تنفيذ سياسات ستجعل هذه الهيئة مجرد ديكور تجميل في الواجهة الحكومية!
إن من الضرورة عدم ترك «اقتراحات» فرض الرسوم لاستشاريين ليس من أكبر همومهم النتائج المتوقعة اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً على الوطن والمواطن، فالاهتمام الرئيس لديهم النجاح في توقيع أكبر عدد من العقود الاستشارية، أما أصحاب المنشآت الصغيرة خصوصاً فينطبق عليهم المثل الشعبي «ياكد ما لك خلف».
 

كُتب في الحياة | إرسال التعليق

طاقية الاختفاء

في السابق وللتعبير عن قضية وصلت إلى درجة من الأهمية لدى المجتمع يقال عنها إنها حديث رجل الشارع، الآن مع التغير الكبير لم يعد الشارع موقعاً للأحاديث، لذا يمكن القول إن مثل هذه القضايا من جهة الأهمية، هي حديث شبكات التواصل الاجتماعي، هذه الشبكات أصبحت وعاء لهموم الناس، وصندوقاً كبير للشكاوى والاقتراحات، والتسلية، ومن أبرز ما يتداوله الناس في هذه الشبكات هو الرسوم المتزايدة بشكل عام والبلدية منها بوجه خاص.
الغموض والضبابية طبعت إعلان الرسوم البلدية تحديداً، وعلى رغم طول المدة ما بين إعلانها ولحظة كتابة هذه المقالة، مع كثرة التساؤلات والاجتهادات في مقاطع ومقالات تحاول الشرح بالتخمين لم نرى أو نسمع حساً لوزارة البلديات، فهل مازال لدينا وزارة بلديات؟ أم أنها هي الأخرى لم تتضح لديها الرؤية؟
والعجيب هو اختفاء المسؤولين منذ إعلان الخطوط العريضة لـ«الرؤية والتحول»، مع أن المفترض أنهم من صاغوها وقدموها إلى صاحب القرار لإعلانها الكبير آنذاك، حتى يخيل للمرء أن طاقية الاختفاء تم العثور عليها واستخدامها من قبلهم، فلا صوت لوزارة الاقتصاد والتخطيط التي تدير الماكينة الاستشارية والتنفيذية لتطبيق «الرؤية» ولا صوت في ما يخص رسوم البلديات من الوزارة التي كلفت بإعداد اللائحة التنفيذية للأخيرة!
أثر غياب المسؤول عن الحضور الإعلامي المفيد للإجابة على كل الأسئلة ليس في المصلحة العامة ولا في مصلحة الاقتصاد الذي هو زبدة «الرؤية»، بل إنه يتناقض مع مبدأ الشفافية، الذي أعلن في «الرؤية» الالتزام به، الخوف أن يكون الوزراء ونوابهم أو وكلاؤهم ومستشاريهم المتفرغين وغير المتفرغين ينتظرون خبراء «مكينزي» لإسعافهم بالخطوة المقبلة، وإذا صح هذا التوقع فالمعنى أن العلم عند «مكينزي» وحدة لا شريك له! وغيره من الموظفين الحكوميين ليس إلا وسطاء بينه وبين صاحب القرار والرأي العام والاقتصاد.

كُتب في الحياة | إرسال التعليق

التفويض بفرض الرسوم

هناك إجراءات ضبابية لا يُعرف لها رأس من ساس، ولا يُعرف هل هي مقننة من جهة حكومية أم أن عدم التقنين وحضور الرقابة سمح لمن يريد الإثراء غير المشروع على حساب الآخرين بالعمل على قدم وساق في مناطق رمادية رسمية، والمواقع الضبابية وغير المحسومة كثيرة وفي الاستقدام منها ما يسمى التفويض الإلكتروني، وهو التفويض للاستقدام من طريق مكتب بالخارج، الذي وصل بحسب ما وردني إلى 500 ريال، ولا تستفيد منه سوى مكاتب الاستقدام في الداخل على حساب من لا يستقدم من طريقها؟ إنه ليس إلا ضريبة تُجبى لتجارة الاستقدام.
كان أحد القراء الكرام أرسل لي عن هذه القضية، والعجيب أن هذا «الرسم الخاص» مفروض على الأفراد فقط، إذ تنعم الشركات والمؤسسات بتصديق من الغرف التجارية بمبلغ بسيط 25 ريالاً، والمواطن العادي ليس له غرفة ولا ملحقاً يستند إليه. وفرض الرسوم على الأفراد، الذي أصبح نهجاً حكومياً، كان موجوداً في القطاع الخاص، وبالذات في الاستقدام الذي لم يكن له إطار نظامي يحفظ حقوق الأطراف المختلفة.
صمت وزارة العمل على هذا الجشع، ليس إلا حماية لاحتكار القلة، الذي قدمته الوزارة على طبق من ذهب لشركات الاستقدام، وهو حلقة من حلقات التضييق على من لا يريد التعامل مع الشركات في الداخل، هو يسهم في رفع الكلفة ويضع عراقيل كلها تخدم الاحتكار.
والسؤال لوزارة العمل، لماذا الصمت على هذه الممارسات؟ فالوزارة بحسب ما نفترض ليست قطاعاً خاصاً مثل الغرف التجارية مهمته الأساسية والوحيدة حماية كبار المنتسبين، الوزارة في المفترض أن تراعي مصلحة الجميع والواجب عليها أن توقف هذه الممارسات مع إلزام جهات الاستقدام بإعادة المبالغ إلى أصحابها، أما إذا كانت راضية عن هذا الإجراء فيجب عليها أن تشرح أسبابه.
إن لدى الوزارة القدرة على أن تكون هي الجهة التي تصادق على مثل هذا التفويض برسم معقول يراعي ظروف المواطنين، وبخاصة أن نظام «أبشر» والأحوال المدنية وفرا الآلية للتأكد بسهولة من مقدم الطلب، ولدى الوزارة، وهي من يصدر التأشيرات، المنفذ للتطبيق، أن الخصخصة لا تعني خصخصة دخل المواطن لمصلحة القطاعين الخاص والعام.

كُتب في الحياة | تعليق واحد