قررت دولة الإمارات تسديد قروض 6830 مواطناً إماراتياً من المتعثرين عن السداد والمبلغ المتوقع لهذا الإجراء قرابة ملياري درهم، والقرار الذي أثلج صدور المتعثرين هناك، له شروط عدة منها انه ينطبق على من مديونياتهم تقل عن مليون درهم، وسيفرج عن الموقوفين منهم، ولاشك أن مثل هذا القرار سيدفع بقية مواطني دول مجلس التعاون إلى الأمل أو الحلم بقرار مماثل، وقد يبدو مجرد التفكير بمثل هذا من أحلام اليقظة من دولة لأخرى، مع أن البنوك مستفيدة في كل الأحوال.
المبلغ ضئيل مقارنة بالمداخيل، ومثله قد يذهب معونة هنا أو هناك، إنما التأسيس لمنهج جديد هو الأهم، من هنا يجب النظر إلى أنه في العام الماضي قام المصرف المركزي الإماراتي بإصدار نظام جديد للإقراض، من أبرز ما جاء فيه خفض فوائد ورسوم البنوك على المقترضين وتحديد سقف أعلى للقرض مقابل الراتب الشهري، والهدف خفض مغالاة البنوك وافتراسها للمقترضين، مع «توعية» الأفراد بتنظيم إنفاقهم المالي بما يتناسب مع دخولهم، والمعنى انه تم التأسيس «النظامي» لمرحلة جديدة تخفف من الإقراض السهل الذي استشرى في الإمارات «ودول الخليج العربي» حتى لجأت البنوك إلى المحاكم وأوقف أفراد في السجون لعدم استطاعتهم تسديد مديونياتهم.
إجراء حكيم أن تتعامل مع طرفي المشكلة، البنوك والأفراد، تحد من جشع الأول في سعيه المستمر لزيادة عدد المقترضين، وتضع الثاني أمام مسؤولياته، والقضية أساساً بنكية، في الإمارات ودول الخليج العربي بما فيها السعودية، حيث سمح للبنوك بافتراس «العملاء»، من خلال الحملات الترويجية ووسائل الإقناع المتعددة مع شروط مجحفة، في مقابل انخفاض الوعي الاقتصادي، حيث استغل هذا لأقصى حد، والمشكلة في الإمارات أخف منها وطأة في السعودية، ويمكن لمؤسسة النقد السعودي الاستفادة من التجربة الإماراتية، بالحد من سطوة البنوك الترويجية بالمزيد من الرقابة على «البرامج» وإعادة النظر في الاتفاقيات التي يجبر الأفراد على توقيعها مع البنوك، بما فيها من فوائد مركبة ورسوم …إلخ… ما هو معلوم، وإذا لم تتحرك «ساما» لتكون حكماً عادلاً يستلهم المصلحة العامة فإن الملف سيتضخم، مع العلم أنه مسؤول عن استشراء السلوك الاستهلاكي وزيادة معدلات «التفقير»، والملاحظ أن «ساما» لا يذكر لها أية مبادرات في هذا الجانب» ولا أتذكر أي جوانب أخرى»!، وهي تشبه «أبو الهول» في الصمت والجمود لكنها غير موضوعة على قائمة الآثار حتى الآن.
اضطر أحياناً لاستخدام سيارات الليموزين «الأجرة»، هرباً من ضغوط القيادة العدوانية المتفشية، مع ندرة لمواقف السيارات في الرياض. بعد فترة اكتشفت إيجابيات هذا الاضطرار، عملاً بالتدقيق في نصف الكأس أو ربعها، وبلسم نردده: «ما يندرى وش الخيرة فيه».
سائق الليموزين في الغالب آسيوي، يتعامل معك حسب هيئتك، طريقة وضع الشماغ أو الغترة لها دلالات وكذا العقال، يختلف الأمر إذا ما كنت تحمل حقيبة، حسب نوعها وحجمها، أما إذا كنت تتأبط «ملف أخضر علاقي» فيمكنه تحديد الوجهة والتعامل من أول نظرة.
في الطريق حوار لسبر أغوار «الرأي الآخر»، يجمع سائقو الليموزين على أننا مستعجلون مثلما نجمع نحن أنهم كذلك، وهم يختلفون مثلنا في الاستعجال، الأقدم في المهنة أكثرهم ركادة، وهم يتفقون في قضية الاستعجال الطاغية على حياتنا مع عمال محطات الوقود في قولهم الشهير «سعودي مستعجل»، وهي ناتجة من إلحاح صاحب السيارة على التزوّد بالوقود حتى لو كان العامل مشغولاً بسيارة أخرى! يمثل المنبه «البوري» للبعض مصباح علاء الدين، الأخير يفرك والأول يدق وكثر الدق يفك اللحام. بعض سائقي الليموزين «الآسيويين» لهم تجربة في دبي، دفعتهم الأزمة المالية التي حدثت هناك للقدوم إلى السعودية، أستمع إليهم انسجاماً مع حوار الحضارات والشعوب، أكتشف أنهم يقارنون بين هنا وهناك، في النظام والسلوك. الإيجابي لديهم أن التوفير والادِّخار هنا أكبر بمراحل منه في دبي، والمعيشة إلى حدٍّ ما أرخص، حاضر عليَّ سائق ليموزين عن أسعار الكوسة وكيف يتمكن من شراء صندوق كبير من السوق الرئيسية ثم يبيع أو يهدي منه للجيران، في حين أنه في البقالة المجاورة بأضعاف الثمن، يستغرب السائق الآسيوي من هول الفرق السعري ومن حقه ذلك. بالنسبة اليهم يمثل الكفيل المرن الكنز المأمول المرتجى، والمرونة أنواع قد تصل إلى درجة التسيّب، أما السلبي فهو في سلوك البعض العصبي واستعدادهم الدائم للمصارعة الرومانية على الإسفلت، وفينا وفيهم خير. مع كل تلك العصبية التي نقود بها سياراتنا نقول «عط الحر فرصة»، ولا أحد يعطي فرصة للآخر، يستميت البعض في الاستيلاء على كل الفرص والمفارص، ويستمتع الواحد منهم «بتفريص» الآخرين، وكأنه الحرّ الوحيد.
«غير مؤهل»، كانت هذه نتيجة إحدى المتقدمات لبرنامج «حافز»، أما السبب فهو بالنص من الموقع الرسمي كالتالي: «تشير سجلات مركز المعلومات الوطني بأن المتقدم لم يكن متواجد في المملكة لمدة أكثر من شهرين خلال الـ12 الشهر الماضية. لمزيد من المعلومات الرجاء التوجه إلى صفحة الأسئلة المتكررة…
تشير سجلات وزارة التعليم العالي إلى أن المتقدم قد انسحب من برنامج الابتعاث لذلك ينبغي الانتظار لمدة سنة قبل التقديم» انتهى.
وحسب ما وصلني، المتقدمة لم تكن مبتعثة في يوم من الأيام، لكنها سافرت مرة كما يسافر غيرها، والقصة ليست في هذه الحالة بل في رؤية إيجابية تتوارى خلفها، دعنا نأخذها بمثالية متناهية، الدقة في التدقيق، الرؤية – حسب فهمي – تُعنى بالحفاظ على المال العام، وفرز المستحق من غيره حسب شروط «حافز»، آمنّا بالله تعالى الوارث والآخر، وخير على خير، وانسجام مع هذه الرؤية التي يدعو لها، ويحض عليها كل مواطن… صالح وعادل، لدينا بعض الملاحظات.
أموال صندوق الموارد البشرية «أبو حافز» أساساً هي مستقطعة مما دفعته أنا وأنت وهو وهي من رسوم تأشيرات الاستقدام، حتى ولو دعمته الحكومية بمبالغ، نعم لقد أصبحت أموالاً عامة لا بد من المحافظة عليها، وتوظيفها بما يحقق الفائدة «المر…جوة»!
لذا نسأل هل يجري مثل هذا التدقيق الذي تم أعلاه بما فيه العودة إلى مرجعيات مثل «صناديق وبنوك حكومية أخرى»، حين توقيع اتفاقيات صندوق الموارد البشرية مع شركات للتدريب المنتهي بتبييض السجل النطاقي؟ هل هم «يتبضعون» من كل صندوق كم شاب وشابة! إذا كانت الإجابة بنعم نريد معرفة تفاصيل هذا التدقيق ونتائجه، عملاً بالشفافية.
في خبر آخر ذكرت الصحف أن شاباً طلب إيقاف إعانته من «حافز» بعد حصوله على عمل، الخبر يشير لأمانة الشاب وصدقه مع نفسه ومجتمعه، نريد أن نعرف عدد الشركات «المخالفة» التي أعادت «إعانات» التدريب، وجملة المبالغ المتحصلة وغير المحصلة من ذلك؟ لنعلم إلى أين يسير مشروع الحرص على المال العام، وهو أمانة، وحتى لا نرى التدقيق على الأفراد و«الضعوف» فقط، في حين هناك شركات يتفاوض عنها أجانب لتدريب السعوديين، وهي معادلة يصعب هضمها، مثلما يصعب بلع الحديث عن اختلاف قواعد «لعبة» توهمنا أنها جد الجد.
أصبح عكس السير «نظام» إجباري مع انقراض حراس النظام، ولأن «من عايش القوم 40 يوماً صار منهم»، اعكس «الخط» قليلاً، وعلى قولة البعض «نتقه»، يعني مسافة قصيرة للحاق بطريق أو مخرج. أعتبر الردود بين وزارة الصحة وهيئة مكافحة الفساد ظاهرة صحية، هذه الظواهر تموت بسرعة، ومن الموضوعية إشارة لنقطة هامة، تتلخص في أن أكثر قضايا فساد ينشر عنها في بلادنا تدور حول وزارة الصحة! تتذكرون قضية الصيدليات الشهيرة، ومستشفى الطائف، وتخصصي العيون، وقبلها بزمن بعيد قضية الشركة الكورية، وبينهما قضايا عدة عن ممارسات مديريات و«شلليات»، هذه حقيقة تخبر عن الواقع، وقد قال مدرس الكيمياء أيام الثانوي «كل إناء بما فيه ينضح». لكن و«يا للعجب»، هناك آنية لا تنضح إطلاقاً؟ فلا نقرأ عن فساد في وزارة أو هيئة أخرى، يتجمع هذا الفساد حتى ينفجر دفعة واحدة، كما حصل في وزارة الحج، ثم لا تسمع شيئاً! أو ينتظر عقوداً فيأتي سيل عرمرم يجرفه، كما في كارثة جدة لتدخل في «الدائري» القضائي.
هذا ليس دفاعاً عن وزارة الصحة، إنما هناك أجهزة لم نسمع عنها شيئاً بتاتاً البتة، وكأنها في الحفظ والصون، أو يعمل فيها نفر من الصحابة ممن شهدوا «بدر» رضوان الله عليهم أجمعين.
قضية سرقات الأدوية في وزارة الصحة من قضايا الفساد البدائية، لا يعني هذا إطلاقاً عدم الاهتمام بها، لكنها تخبر أننا في العصر الحجري مكافحة فساد، ومع الاهتمام بهذا النوع نطمح لقضايا أعلى مرتبة في «التعقيد الفسادي»، أو «الشطارة» إن شئت. مثل الكور «اللافه» في كرة القدم. وبحكم أننا منفتحون على كل دول العالم، واستقطاب الخبرات يتوقع أن كل أنواع الفساد المعقد قانونياً حقق النقاط المطلوبة للحصول على الجنسية، وخذ عندك تعارض المصالح الصارخ و«قحش» عضوية مجالس إدارات الشركات، السوبر ماركت متنوع البضائع. هذا لا يجب أن يفت من عضد هيئة مكافحة الفساد بل من الواجب عليها فتح أبواب جانبية لمكاتب قياداتها، دون بيروقراطية و«الاناماليه» التي أصابت أجهزة مشابهة.
في لقاء إذاعي، قال محمد الشريف إن الهيئة معنية بالشركات التي تملك الدولة فيها من 25% فما فوق، والذين يرسلون للكتاب عن «هبر» في مثل تلك الشركات نضع لهم «يوتيرن» للاتجاه إلى الهيئة، والطرق في بلادنا كما ترون كلها «يوتيرنات». أما الصحة فإذا أرادت الاستماع لنصيحة يقترح عليها فصل الطب عن الإدارة، ومزيد من الرقابة النوعية. كلما استطعتم اكتشاف «الشللية» الإدارية أمكنكم اكتشاف العلل الوطنية، و«الشلل» ليست بالضرورة سعودية، وإن كان في «الوطني» ما يفيض. والذي لا يرى في الفساد المالي والإداري «سوسة عملاقة» لازم يشيل النظارة السوداء.
فرص عمل جديدة تلوح في الأفق، ومن «سبق لبق»، التباشير في إعلانات تتزايد ينشرها أصحاب سيارات مسروقة، يطلب هؤلاء البحث عنها مع وعد بمكافآت مجزية.
نمو هذه الإعلانات رافقه كبر مساحة وألوان. الظواهر تبدأ على الخفيف ثم تتزايد، الاضطرار دفع أصحاب السيارات المسروقة للإعلان مع رصد مكافأة مالية كبيرة، لم يعد ينفع البلاغ ومن ليست لديه مكافأة مالية، مؤكد أن سيارته «ما تسوى»، و«كل واحد يمد رجليه على قدر سيارته».
عند بروز قضايا مثل هذه كنا نكتب عن الجهة المعنية مطالبين، في العادة نقول أين الأمن العام وأين الشرط؟ وماذا عن أقسام التحري والبحث، لكننا في مرحلة جديدة – كما يبدو لي- تستحق طرحاً مختلفاً.
قضية سرقات السيارات، كسراً وخلعاً أو خطفاً بما فيها، أشبعت طرحاً، لذلك نتقدم إلى الأمام بسؤال للإخوة في الأمن العام، هل هناك نية لخصخصة التحريات والبحث؟ سؤالي لا يخلو من «أنانية»، أما السبب فهو إنني مع كثير من «دفعتي»، «فصفصنا» صفحات قصص أرسين لوبين، وهولمز، وآغاثا كريستي وغيرهم، كانت من وسائل المتعة والتسلية مثل «الكفي» حالياً، تراكم من ذلك خبرة واهتمام بقضايا التحري والتحقيق استنزفت الصحافة بعضاً منها وبقي مخزون، يمكن لنا استثماره الآن إذا فتح المجال، وحتى لا يندهش البعض، أول ما ظهر السكيورتي «الأمن الخاص أو المخصص» كان مثار استغراب، أذكر أننا إذا ذهبنا إلى دول الخليج – ذيك الأيام – كنا نستغرب توظيف أجانب في الحراسة، لاحقاً تحول هذا إلى قطاع «اقتصادي» عريض في بلادنا، استوعب حتى المتسللين! من هنا نسأل عن النية.. المطية.
إذا كان هناك عزم على «فتح باب المجال»، عملاً بالحكمة الشائعة «كل واحد يدبر عمره»، نطالب بألا تحصر «التراخيص» بالعسكريين المتقاعدين، يجب فتح المجال لمن «يجد في نفسه الكفاءة… أو الثانوية»، لا بد من محاربة شائعة «كل يقرب النار لقريصه»، الصحة تطلب طبيباً عند إنشاء مستوصف، والتعليم يطلب معلماً عند فتح مدرسة وهكذا، ولم يبقَ إلا النقل يطلب سائق «تريلا»، نحن شعب واحد نأكل من قرص واحد؟ ثم إن هناك مخرجاً، كثير من الموظفين المدنيين بدأوا حياتهم الوظيفية بمسمى «باحث»، والكفاءة في القدرة على البحث، في هذا استثمار إيجابي لخصوصية «الشفاحة»، وبدلاً من صرف البعض طاقات «عيونهم» في «اللي يسوى واللي ما يسوى» يفيدون ويستفيدون.
أيضاً هي فرصة لتوظيف قدرات اللف بالسيارات في الشوارع لشبابنا الطموح، ويمكن تعريض مجال العمل ليشمل البحث عن الأطفال التائهين والأزواج الهاربين، سنكتشف عندها أننا «أيقظنا العملاق» ليخرج من الاستراحة! وماذا ينقصنا؟ لسنا أقل من دول العالم المتقدم، لدينا قضاء عالمي ونشارك في صياغة الفكر العالمي في قضية التنافسية.