الروابط الخضراء

بمسافة طويلة تجاوز المتطوعون من المواطنين الأجهزة الرسمية، ليبادروا من خلال نداءات أفراد مؤمنين بالهدف السامي، واستثمروا وسائل التواصل لتصبح الروابط الخضراء الهادفة للتشجير في الأودية والبراري بالمملكة حقيقة واقعة، وبالمحاكاة و«الغيرة الإيجابية» أحياناً بدأ هذا الاهتمام الأخضر في الانتشار من المحافظات إلى البلدات، أنه لأمر مبهج رؤية هذا وقد أصبح حقيقة واقعة، فانظر إلى نضج المتطوع في مقابل جمود الرسمي، فالأول كان له الدور الأساس في رفع الصوت وتسليط الضوء على العبث بقطع الأشجار البرية على ندرتها، وتجاوزت بعض الروابط الخضراء ذلك متقدمة إلى استيراد حطب كبديل عن المحلي الموشك على الانقراض.

وسبق لي وأن طالبت أجهزة رسمية باستثمار «المهمومين» بشؤون عامة، خصوصاً من يمتلك منهم الإرادة والدأب على الفعل الإيجابي غير طامح لمنصب أو واجهة إعلامية، ولا ينحصر هذا على الشأن البيئي، بل يمتد إلى شؤون أخرى عدة لو فتحت الحكومة عيونها.

فاز المتطوعون للتشجير، اجتمع الأفراد في روابط خضراء، وفيما تواصل «الحياة الفطرية» نومها، تماست وزارة الزراعة على الخفيف مع هذه الروابط، أما وزارة الشؤون البلدية والقروية فهي على حالها القديم من الغفلة التنموية.

فمن المحاكاة والتقليد في زمن سابق بالمجسمات الأسمنتية التي انتقلت بلدياً من المدن إلى القرى ما زلت موضات الدورات المرورية وإعادة رصف المرصوف و«الدروازات» هي الشغل الشاغل لبلديات محافظات وبلدات هي أحوج ما تكون إلى التشجير الأرخص كلفة، فالموجات الرسمية بطيئة إلا أنها مستمرة تبدأ في المدن لتصل الى قرى نائية.

لكن البلديات بأمانات تتبع لها لم تكتف بالتوقف على طريق الجمود، بل استمر بعضها في قطع أو تقزيم الأشجار المزروعة «بتكاليف الله اعلم بمقدارها»، وكأن الرؤية الثابتة لديها… التغريد خارج السرب!

كُتب في الحياة | إرسال التعليق

لماذا يا هيئة الاتصالات؟

تحولت هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات إلى حارس مدجج بقوى الحجب والمنع لمصلحة شركات الاتصالات، إذ أصبحت هذه هي الصورة العامة المتجذرة في نفوس عموم «العملاء»، ومعهم الحق في ذلك، والسبب أن «الهيئة» نفسها منذ إنشائها لم تتمكن من القيام بالدور المتوازن العادل كما يجب وينتظر، أي حماية حقوق العملاء كما تحمى مصالح الشركات. هيئة الاتصالات بحاجة إلى وقفة مع النفس، لتنظر إلى الأمور بميزان العدل، وتحافظ على مصالح الشركات من دون غمط لحقوق العملاء، ولا نعلم عن مدى توفر القدرة الفنية مع الإرادة الإدارية لتحقيق هذا الهدف الذي أراه أهم واجبات هيئة الاتصالات. في لقاء مع رؤساء شركات الاتصالات الثلاث في برنامج «مال ثينك تانك» في «يوتيوب»، أوضحوا تضرر الشركات من تطبيقات تواصل، ففي حين تدفع الشركات رسوماً للدولة، وحصلت على رخص رسمية، تتسلل هذه التطبيقات لأخذ حصة من السوق على حساب الشركات.

يمكن تفهم موقف هيئة الاتصالات بحجب تطبيقات تواصل أجنبية، لكن يجب النظر إلى أسباب لجوء «العملاء» إلى هذه التطبيقات، إذ يمكن تحقيق التوازن المطلوب بتطبيق مبدأ «سددوا وقاربوا».

في ما يخص هذه النقطة، ضرورة مراجعة الرسوم والأسعار لشركات الاتصالات ومدى عدالتها، والنقطة الجوهرية الثانية، وهي في تقديري سبب رئيس لتشوه الصورة عن شركات الاتصالات، تكمن في استغلال العملاء بالعروض. وللتوضيح؛ شركات الاتصالات تقدم عروضاً «تقنية» فنية، بشكل «باقات» بمسميات كثيرة، والعميل في الغالب الأعم لا يفهم في هذه الأمور الفنية، ولا يستطيع تقويمها ومدى صلاحيتها له أو حاجته إليها، الاستغفال في حجم البيانات الموفرة أو سهولة التحميل والاتصال والسرعات وارد وتقويم عدالته وصدقيته قبل طرحه هو من صلب واجبات ومسؤوليات هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات «الحكومية». فهي الهيئة الفنية المشرفة. ثم أن كثرة العروض ومسميات «الباقات» وتشعبها وتشابه مسمياتها ببعضها البعض أصبحت مثل الموضات رائحة «تجارة التسيد» والترغيب القسري بكثرة الاتصالات فيها صارخة.

هل تستطيع «الهيئة» القيام بهذا الدور لتحقق رضا العملاء من دون غمط لمصالح الشركات؟ لهذا السؤال جواب يتردد في الشارع، يقول إن لوبي الشركات داخل «الهيئة» قوي، وبخاصة مع تداخل النشأة منذ ولادة «الهيئة» من داخل وزارة الاتصالات. وحضور الشركات لا شك أنه أقوى داخل «الهيئة» ومعها، مقابل ابتعاد «العميل» عن هذه الدائرة، فلا وجود لمحامٍ قدير يحافظ على حقوقه في الداخل.

 

كُتب في الحياة | إرسال التعليق

12/12/2012

رحم الله الأمير سطام بن عبدالعزيز أمير منطقة الرياض الأسبق رحمة واسعة، لقد اتخذ قراراً تاريخياً في عام 2012 بمنع شركتي «سعودي أوجيه» و«بن لادن» من التأهيل لأي مناقصة من مناقصات مشروع النقل العام، بما في ذلك شبكة القطارات.
كان قراراً حكيماً بعيد النظر، تخيّل معي لو دخلت واحدة منهما أو كلاهما لهذا المشروع، ماذا كان يمكن أن يحدث في العاصمة؟ لا تنسَ ما حدث من أوضاع عمالتهما، إلى أوضاع مشاريع قامتا – خصوصاً «سعودي أوجيه» – بإنشائها في مختلف المناطق. وكان هذا محتملاً بشكل كبير لولا قرار الأمير سطام – أسكنه الله الجنة.
نحب الأرقام المتشابهة في لوحات السيارات وتأريخ المناسبات، والرقم في العنوان 12/12/2012 كان هو التاريخ المعلن لافتتاح مركز الملك عبدالعزيز الحضاري أو الثقافي، وهو ما لم يحدث. وقد نشرت أخبار قبل ذاك التاريخ بعامين، حين أعلنت «أرامكو» البدء في الأعمال التنفيذية للمشروع، وتعاقدت مع شركة «سعودي أوجيه» كمقاول رئيسي للإنشاءات الأساسية. بعد فوز شركة «سنوهيتا» المعمارية النروجية في مناقصة لتصميم المبنى، بحسب المنشور آنذاك.
العام 2012 كان عاماً صعباً على «أرامكو»، إذ تلقّت فيه ضربة اختراق إلكترونية ضخمة، قالت نتائج التحقيق عنها إنها عملية اختراق منظمة تمت من داخل دول في أربع قارات، ولم يعلن عن الخسائر أو الجهات وهل تمت ملاحقتها قانونياً!؟
للأسف وبعد ما حدث في ليلة افتتاح المركز الحضاري أو الثقافي، يتضح لنا أن شركة بحجم «أرامكو» لم تستفد من تجربتها مع الشركة إياها، ومع «المشرفين من الداخل» في مشاريع سابقة أيضاً نفذت تحت إشراف «أرامكو».
هل سيطرح مسؤول أين الخلل ليعالج من جذوره؟ أم تتم لملمة اللحظات الموجعة لـ«أرامكو» والاعتماد على النسيان، شعار «أرامكو» وصورتها كبيت للجودة والكفاءة هو الذي أصابه البلل في واقع الأمر، فساحت الألوان مع المياه المتدفقة. وكأن هذا لم يكن كافياً، فبعد إعلان وزير الطاقة عن فتح تحقيق حول تسربات ليلة الافتتاح، صرّحت شركة «سعودي أوجيه» أمس بقولها «إن مشروع الملك عبدالعزيز الثقافي لم ينتهِ بعد، وهو قيد الاختبارات النهائية، ولا يزال خاضعاً للتأمين». ما يعني أن «أوجيه» تلقي باللوم على «أرامكو» ووزارة الطاقة! بعد سنوات طويلة من صب الأساسات!؟
إعلان سريع لنتائج التحقيق بشفافية شفافة شافية ربما يساعد على ترميم صورة «الكفاءة والجودة» في شركة النفط العملاقة.

كُتب في الحياة | إرسال التعليق

الطباخ إيراني و «الزبون» عربي!

صورة صغيرة للمشهد الكبير، وما بين جرائم القتل الفردي وجرائم القتل الجماعي خيط صغير يحمل الجينات الوراثية نفسها. من الاستكانة والدعة والابتعاد عن الحيطة والحذر، والرقص مع الثعابين، جريمة قتل وقعت في الكويت راح ضحيتها مواطنان كويتيان، أحدهما من الأسرة الحاكمة، وثالث الضحايا عاملة إندونيسية!
السلطات الكويتية قالت في بيان لاحق إنها قبضت على الطباخ الإيراني وشريكه من الجنسية نفسها، إذ قام الأول بتقييد وتكميم الضحايا، وفتح باب الشقة للثاني الذي تولى قتلهم بدم بارد، ليتمكنا من سرقة مبلغ من المال. القتل تم بإطلاق الرصاص على الرقاب وفي الفم!
الدافع الظاهر للجريمة هو السرقة، فهي ليست جريمة سياسية، لكن هذه الجريمة بجنسيات القتلة وقدرتهما على التغلغل والحصول على الثقة، الى درجة طبخ الطعام وفتح باب الشقة في ظل أوضاع معروفة للقاصي والداني تعيشها المنطقة منذ سنوات، تخبر عن واقع الحال الخليجي في تعامله مع الخطر الإيراني، سواء أكان مباشراً بالجنسية الإيرانية أم بجنسيات مرتزقة عرب أو غير عرب يعملون لمصلحة الخمينية المتوحشة، فالشقة يمكن أن تكون شركة مقاولات أو مصرفاً تجارياً أو قصراً منيفاً، وربما «منشأة» تحت غطاء ثقافي أو خيري. والقتل في هذه الحالات يتم في شكل بطيء ومدروس، تُقيد الضحية من دون قيود ظاهرة، وتُكمم الأفواه بطرق شتى، بل ربما تُدفع الأفواه الى قول ما لا يقال في مثل هذا الظرف.
ربما في رمزية الدلالات هذه إجابة عن تساؤلات حول تعامل بعض دول الخليج مع الخطر الإيراني المباشر أو غير المباشر. الأخير متمثل بالحشود الطائفية واستغلال «مناسبات» دينية مع رفع رموز ورايات، وهي أيضاً للمناسبة تحت مظلة الضيافة. للطباخ تأثير عجيب، وسط هوس ميليشيات طائفية تقتل القريب وتهدد البعيد.
وإذا كنت تساءلت في يوم ما وأنت تقرأ في كتب التاريخ عن أحوال سقوط دول عربية، وقلت لنفسك: كيف يعقل أن تحدث مثل تلك المقامرات بالمصائر؟ فلم تصدق أن تصطبغ السياسات بهكذا رخاوة وتسويف حتى دخل الشك عقلك حول صحة الروايات، فقد جاءك الحاضر واقفاً أمامك بالصوت والصورة، ليؤكد لك أن ما دوّنه التاريخ حقيقة، وأن ما تعيشه هو جزء منه.

كُتب في الحياة | إرسال التعليق

غدة الحرامي

يهمني هنا نحن، عرباً ومسلمين، وإلا فالمسألة تدخل فيها أمم أخرى، واستكمالاً لمقالة الأمس، أسباب الاهتمام كثيرة في واجهتها أن صورة التدين في الغالب لدينا طاغية والحديث اليومي عنه أو الإحالة إليه هي السائدة، قلت… صورة، فالشكل لا يعني المضمون، والكتاب لا يدل عليه عنوانه.
«الكتاب من عنوانه» عبارة خاطئة مضللة كانت صالحة في زمن الأمانة والصدقية، زمن الطيبين أو لنقل زمن الأقل سوءاً في الحد الأدنى، لكنها في زمن العولمة والفشخرة وما يسمى «الشطارة» والتحايل تحولت إلى مصيدة، يمكن لك أن تسترجع عناوين بعض الكتب لتعلم أن مضمونها لاعلاقة له بعناوينها بقدر علاقته بالاحتيال والاستغفال، وعناوين الكتب هنا على سبيل المثال، فالعنوان يقوم مقام الشعار والصورة، يؤدي الوظيفة نفسها.. الترويج للجذب.
لذا يخيل إلي أن منا من لديه «غدة حرمنة» نشطة، ومع أجيال من عدم ردعه أدى تراكم «الإفراز» لتنشيط الغدة نفسها لدى آخرين، حتى تحولت إلى غدة متضخمة كامنة بواجهة لامعة.
ومن كثرة الإفراز اللزج، ساح على الأرض، ثم تحول مع سخونة التحولات إلى غاز انتشر، فمن استطاع الابتعاد ولم ينزلق في اللزوجة، اضطر لاستنشاق هواء ملوث.
التعميم خاطئ لكن الحقيقة مرة.
إذا كانت أبسط الأمور وهي التعاملات الفردية بين الأفراد وبينهم وبين المؤسسات خاصة أو عامة هي بالشكل الذي نعلمه لا بد أن نسأل عن الأسباب. لماذا ندعي أن صورتنا نظيفة ونحن أبعد ما نكون عنها؟
وهذا مناسب للحديث عن الخصوصية، لماذا لم تبرز في هذا الجانب «الإيجابي»؟ ولماذا لم يسع لإبرازها بالرعاية والحراسة وهو أمر ليس مستحيلاً ولا صعباً بالقوانين وأنظمة تطبق وتطور وتشمل الجميع؟
إذا كنا نريد الريادة فعلاً، فلا بد أن نقدم التجربة الإيجابية المقنعة في مختلف المجالات والأخلاقية في مقدمها، فهي رأس حربة قوة الثقافة المصدرة، فالناس أو لنقل الأمم الأخرى لا ينظرون إلى ما نقول بل إلى ما نفعل، وليس مهماً صورتنا لدى الآخرين بقدر تطابقها مع ما ندعيه، وإذا لم تتطابق الأفعال مع الأقوال فقدت الصدقية وانحدرت الثقة.
هل في بعض منا «حرمنة»؟ الجواب نعم بالفم المليان، وإلى أي مدى تشربت بها نفوسهم؟ الجواب إلى مدى يزداد علواً!
ويبقى السؤال لماذا لم نستطع القضاء على هذه «الغدة» الكامنة، على رغم كل «مظاهر» العفة والطهارة ونظافة اليد؟

 

كُتب في الحياة | إرسال التعليق