«العجّاز» يعلم الغيب

هذا مثل شعبي ظريف لطيف وساخر، أول ما سمعته «كش» جلدي، فلا يعلم الغيب إلا الله تعالى، ثم بعد أن استوعبت المقصود ضحكت من الأعماق، والواقع أنني لم أتعرف على المثل الظريف إلا أخيراً، قصوراً مني بالطبع. كانت المناسبة نقاش اقتراح لحل قضية مؤرقة تهم كثيراً من الناس لا مجال لذكرها الآن، لعدم رغبتي في «تعقيد الشوش»، من الشوشة أي الشعر المنفوش. وكما ترى عزيزي القارئ فإن «شوش» الأجهزة الحكومية «تمعط» من كل جانب.
والمعنى في المثل، أن من لا يريد العمل لإصلاح أمر معوج سواء كان فرداً أم جهازاً سيجد من الأعذار الكثير، لذلك حينما تطرح عليه فكرة يمكن تحقيقها لاختراق غلالة تحجب الهواء عن الجهاز التنفسي للمجتمع يكون جاهزاً بالرد، لا يمكن ولا يصلح ولن ينجح، أو يرمي بالمسؤولية على جهة أخرى… ابتعاداً عن «وجع الراس»! ثم يعدد كل العقبات المتوقعة وغير المتوقعة وكأنه يعلم الغيب! على رغم أن كل الأفكار الجديدة لم تظهر على السطح إلا بسبب وجود عقبات، والفيصل هو علو الهمة والعمل على التجاوز.
والعجّاز من العجز، وهو الشخص العاجز برغبته، ومنه «التعيجز» وهي حال أفضل من العجاز بمعنى «فيه رجاء»، ويمكن أن يكون العجّاز هنا، وزارة أو هيئة اتصالات أو هيئة مال أو بيئة على سبيل المثال لا الحصر. الحصر هنا صعب لأن كل قطاع لدينا في حاجة إلى عمل كبير مبادر يزداد حجم الحاجة له مع مرور الوقت، والعجّاز الفرد أهون ضرراً من العجّاز الجهاز. الفرد نتائج عجزه على نفسه، أما الجهاز أو الإدارة والوزارة فعجزها يطاول وطناً ومجتمعاً بأكمله.
وأسوأ فئات «العجّازين» من الأجهزة الحكومية وشبه الحكومية الذي يكون عجزه ستراً وحاجزاً عن تسليط الضوء على عمله، الأضواء تكشف المخفي قدرة أو عجزاً. هذا النوع يتستّر بالأعذار ليبقى وضعه كما كان عليه، غير عابئ بمسؤوليات هي من صلب عمله، لِمَ لا والوضع مناسب بالنسبة إليه «سهود ومهود» فلا يعنيه غير ذلك. ولو فتّشت ستجد كثيراً من الأجهزة «العجّازة» لأنها تعلم الغيب!

كُتب في الحياة | تعليق واحد

التميّز أو علك «أبوطابع»!

تحول التجمل بصفة «التميّز» إلى ما يشبه علك «أبوطابع»، كل من استطاع يقوم بعلكه، ثم نفخ بالونة كبيرة منه، أحياناً تنفجر، وأحياناً أخرى تفش ببطء وهدوء، من دون انتباه من أحد، وعلك أبوطابع «لبان» من العلوك القديمة، له خاصية أفضل من علوك أخرى في النفخ، بالنسبة للمحترف يمكنه نفخ بالونة منه تغطي نصف وجه، أيضاً لهذا العلك نكهات مختلفة ظهرت في وقت كانت النكهات غير منتشرة كما هي الحال الآن، الميزة الثالثة في هذا العلك احتواؤه على ورقة عليها رسم يمكن نسخه، يقوم الأطفال في العادة بنسخه «طبعه» على معاصمهم، من هنا جاءت التسمية المحلية «أبوطابع». النسخ أو الصورة هي بالطبع «توهم» بوجود شكل ساعة أو حلية «يتميز» بها الطفل عن أقرانه.
وزير العمل المجتهد في متابعة تصحيح أوضاع العمالة، والحريص على برنامجي حافز ونطاقات للتوطين لا يترك فرصة إلا ويتحدث عن قضية البطالة والتأهيل ودور القطاع الخاص، لكنه لا يقول كلمة واحدة عن مؤسسة يترأس مجلس إدارتها، على رغم أنها معنية بالتدريب التقني والمهني كما يفصح اسمها، لم يُذكر له حديث عن أسباب فشلها، وتاريخ متراكم بمعاهد ودبلومات كانت من نتاجها قضية خريجي الدبلومات الصحية! وأخيراً أعلن عن مشروع بأربعة بلايين ريال باسم كليات «التميز»، والشراكة «الاستراتيجية» بين مؤسسة التعليم التقني والمهني وشركات لإدارة هذه الكليات، وهي الكليات التقنية القائمة حالياً أو بعض منها، والطريف أن محافظ مؤسسة التعليم التقني والمهني قال في تصريح صحافي إن المؤسسة لن تدير هذه الكليات، بل هي جهة تنظيمية، والسؤال هل استطاعت المؤسسة في تاريخها تنظيم صلب اختصاصها ومعرفة حاجات سوق العمل وهي من يرخص ويشرف على المعاهد والكليات الأهلية بما أنتجت مما هو معروف؟ وللدقة والموضوعية في مسألة عدم إدارة المؤسسة للكليات المجددة أو الجديدة، فإن نائب المحافظ هو مدير كليات التميز، ورئيس مجلس إدارة المؤسسة هو رئيس مجلس المديرين، يعني كما يقول المثل الشعبي: «صبه احقنه»…
وسلامتكم.

كُتب في الحياة | تعليق واحد

لماذا لا تتفاعلون؟

لا حديث للجميع إلا عن البطالة وتوظيف الشباب منذ زمن بعيد، والآن الغالبية مشغولون ذهنياً بتصحيح أوضاع العمالة إما لضرورة العمل أو لانتظار أمل توافر فرصة. وتصحيح أوضاع العمالة هو إجراء مهم للإسهام في حل مشكلة البطالة، لكنه ليس الإجراء الوحيد الذي سيخفف منها بشكل كبير.
أيضاً الإعلام الجديد والقديم مع وزارة العمل والجوازات كل يوم يذكّر بما تبقى من أيام المهلة، وكثير من رجال الأعمال يبحثون عن سعوديين وسعوديات لتوظيفهم لخاطر عيون نطاقات وزارة العمل… وربما فقط لأجل ذلك!
لكن ماذا عن الأجهزة الحكومية الأخرى، كيف تفكر وكيف تعمل؟
لنأخذ خبراً نشرته صحيفة «الوطن» يقول إن أمين مجلس التعليم العالي أرسل خطاباً إلى وزارة العمل يؤيد فيه منح أكثر من 900 تأشيرة لجامعة القصيم، التأشيرات لتوظيف أعضاء في هيئة التدريس من عدد من البلدان العربية والآسيوية، والتبرير كما يقول المجلس «إن الجامعة أبلغته إعلانها عن الوظائف ولم يتقدم أحد».
يدور مثل هذا الخبر مع أصوات مرتفعة لشباب بشهادات عليا يبحثون عن وظائف بعد عودتهم من الابتعاث، ربما يصلح بعض منهم للتدريس لا أعلم في الحقيقة، لكن خبراً مثل هذا في وقت مثل هذا، يدور ويتضخم ولا تتقدم جهة واحدة للتعليق عليه بوضوح وشفافية، ما الذي يمنع مجلس التعليم العالي من توضيح قناعته وكيف توصّل إليها؟ أم أنه اعتمد على خطاب من الجامعة يفيد بما أفاد مكتفياً بذلك؟ هذا متوقع في عرفنا الإداري! أيضاً الجامعة ما الذي يمنعها من إعلان وجهة نظرها بوضوح والتأكيد عليها مرات؟
عدم الحضور الفاعل بالرد المقنع يدفع للتخمين بضعف الحجة، وفي كل الأحوال عدم التفاعل يحقق ضرراً كبيراً، ويدفع لمزيد من عدم الثقة بالأجهزة الحكومية.
قضية التوطين ليست قضية وزارة العمل وحدها، وغالباً ما يقول بعض منسوبي وزارة التعليم العالي إن للجامعات إدارات مستقلة والوزارة لا تتدخل في إدارتها، لكنها «ولدينا شاهد التأشيرات» من خلال المجلس تستطيع فعل الكثير للمصلحة العامة، إلا إذا كان المجلس ماكينة خطابات تأييد لا غير.

كُتب في الحياة | تعليق واحد

قطع الأشجار ولا قطع الأرزاق!

الزميل جمال خاشقجي لاحظ قطع أشجار في أحد أحياء الرياض، قرب منزل الشيخ حمد الجاسر، رحمه الله تعالى، استنتج زميلنا العزيز أن الرياض مدينة تكره الأشجار! ربما تكون العبارة أعجبته، ليدونها في «تويتر» مع ما فيها من ظلم للمدينة، لسبب بسيط، أن أية مدينة هي من إداراتها شكلاً ومضموناً، حتى سكانها هم في الحقيقة أسرى لإداراتها، في التشجير زراعة وقطع الأمانة هي المسؤولة، وللعلم منذ قرابة العامين أمانة العاصمة تشتغل على قطع الأشجار، بدعاوى مثل ترشيد استخدام المياه و«وضوح الرؤية»! والبديل زراعة نجيلة تصفر بعد فترة قصيرة، مرة كان السبب إبراز لوحة إعلانية كما حصل في طريق الملك فهد.
وللأمانة هذه الرؤية «إن صح قياس النظر» في القطع كانت قبل الأمين الجديد المهندس عبدالله المقبل. لكن ويا للمصادفة الأمانة الآن تقطع أشجاراً زرعتها وزارة «المواصلات» النقل حالياً، حينما كان المهندس المقبل وكيلاً لها! انظر إلى ميدان التخصصي «تقاطع الدائري الشمالي مع طريق التخصصي»، ولا يعلم كم صرف لأجل زراعة وصيانة وري هذه الأشجار المقطوعة «أتوقّع أرقاماً بالملايين»، المشكلة أن أغلب ما يقطع وأحياناً يجرف بجرافات هو نخيل وأشجار معمرة غاصت جذورها في الأرض، فلم تعد تحتاج إلا لرعاية بسيطة.
وإذا أردت النظر إلى تجربة فريدة في التشجير التفت إلى تجربة هيئة تطوير الرياض في المواقع التي تشرف عليها، الأشجار جميلة والظل متوافر.
كلما حمى وطيس قطع الأشجار في العاصمة أكتب عنها، وكنت كتبت في بداية حملة القطع والقلع «وما أحد جاب خبر»، استغربت لماذا لا تتم التجارب الجديدة في مواقع أخرى متربة هي من مصادر الغبار، وتترك إنجازات آخرين في التشجير تمت خلال فترات ماضية. يشبه هذا في إداراتنا المحلية البناء من جديد بهدم ما شيّد قديماً حتى ولو كان صالحاً ومثمراً، نبدأ بقطع ما زرعه الآخرون.
المدينة مظلومة وسكانها كذلك، إنما فتش عن الإدارة هناك، ستجد من يقطع الأشجار الخضراء وارفة الظلال في مدينة صحراوية تشكو من نسبة تلوث وغبار مرتفعة. ولا تسألني عن السبب، لأن لا سبب هناك يقنعني.

كُتب في الحياة | إرسال التعليق

فرص لمزيد من «التصحيح»

يمكن لأكثر من جهاز حكومي الاستفادة من مهلة تصحيح أوضاع العمالة وما بعدها. الفرص كثيرة متى ما توافرت إرادة الإصلاح، والهدف هو ترسيخ احترام الأنظمة واستعادة ما يمكن من الانضباط.
تبرز الفرص الذهبية في استثمار شعور عام بحضور رسمي في الشارع، حضور كان متوارياً ومفقوداً من «الجوازات» و»العمل» في الدرجة الأولى. يمكن هنا تكثيف الحضور من أجهزة أخرى لها حضور ضعيف أو محصور في جزء من المسؤوليات لا جميعها، وهنا اقتراحات في هذا الشأن.
يمكن لإدارة المرور البدء في توسيع دائرة المخالفات سواء من خلال ساهر أو دوريات المرور لتشمل معظم المخالفات المرورية المعروفة في النظام، تلك التي أصبح خرقها أمراً معتاداً في شوارعنا، وأيضاً بالإمكان إزاحة الكثير من سيارات تسير وهي في وضع متهالك، وخطرها يتجاوز أصحابها إلى الآخرين.
أيضاً يمكن لوزارة النقل الغائبة عن المشهد إصلاح «قطاع» الليموزين، بإيقاف دوران سيارات الأجرة في الشوارع، ووضع مواقف خاصة لها مع إمكان الطلب بالهاتف.
الأمانات والبلديات لديها فرص هي الأخرى. حملة لإزاحة السيارات المتوقفة منذ زمن طويل في كثير من الشوارع والأحياء، ولا تعرف ماهية أوضاعها، فلربما تكون مسروقة! أيضاً استعادة الانضباط في الأحياء بالمنع الفعلي لتوزيع إعلانات الأسواق المركزية والمطاعم على أبواب المنازل، وترتيب خدمة توصيل الطلبات للمنازل بما يحفظ خصوصية السكان. هنا أتذكر حملة قامت بها أمانة مدينة الرياض على دراجة «البطة» التي تستخدم للتوصيل. توقفت الحملة فعادت البطة للطيران!
الفرص متناثرة لاستثمار هذه الفترة الذهبية، وكل ما على إدارة أي جهاز حكومي هو التفكير قليلاً في ما يمكن فعله في نطاق مسؤولياتها، بخاصة وأن الإجراءات الخاصة بالتصحيح من الصعب تكرارها.

كُتب في الحياة | 2 تعليقات