أرشيف تصنيف ‘الحياة‘

التاجر «العفيف»

2 يوليو 2009

نشـــرت بعــض الصحـف المحليــة صــــورة لعامل آسيــوي يقــف علـــى سطــح شاحنـــة، ينـــاول أكيـــاس حليـــب «بودرة» فاسد، في عمليــــة ضبط أو «إحبـــاط» كمـــا تقـــول البيانات. بصــورة غير مباشرة جرى التشهير بالعـــامل المسكين، في حين اختفى صاحــــب المصنـــع البدائـــي والمستـــودعــات، وهي مستودعات كبيرة يمكنــــك الاطلاع عليها من خلال موقع أمانة الرياض.
الصــورة شكل من أشكال التستر الحديث، التستـــر القديـــم يعاقـــب عليه نظام… معلن وغير مطبق، أما التستر الجديد فهو أن «يشيل» العامل أو العمال الفضيحة، بنشر الصور… وإيقاف من الجهات الأمنية، في حين يظل اسم الشركة وصاحبها في الحفظ والصون.
أنت وأنا لن نعرف من هو التاجر «العفيف» صاحب الحليب الفاسد، لن نعلم حصتنا من منتجاته طوال تاريخه التجاري «النظيف»، لذلك لن أدهش لو ظهر هذا التاجر بشحمه و «حليبه» ليربينا ويعلمنا عن ماهية «المسؤولية الاجتماعية» تجاه المجتمع «المتكافل»، وكيف أنه كالجسد الواحد، مع استثناء الجيوب والأمعاء، فهي «مخطط» تجاري بالنسبة إليه. لن اندهش لو ظهر مثل هذا التاجر «الطاهر» ليلقي كلمة في حفلة كريمة عن حب الوطن المعطاء، فهو «يمعط» منه كيفما شاء. لم لا والبديل عند الفضيحة صورة عامل مسكين؟ ولن اندهش لو رشح هذا التاجر وأمثاله نفسه لمجلس إدارة أو لجنة «وطنية»، مطلقاً الشعارات على أسطوانات «عفيف فون»، كما لن استغرب لو ظهر في الصحف منتقداً وعي المستهلكين، وكيف أنهم يشكون من نقص في الذوق والطعم. وسيكون من الطبيعي أن يطرح جزءاً من أسهم شركته التي باعت حليباً فاسداً للاكتتاب العام، مشاركة من القطاع الخاص في النهضة الاقتصادية. لكن لن يجرى «تقييم» قيمة استهلاكك لمنتجاته الرديئة كعلاوة أمراض. وللعلم، بودرة الحليب تدخل في منتجات «نهائية» يمكن أن تتوافر على أية مائدة حتى لو كانت بعيدة جداً عن خط الفقر مسافة ناطحة سحاب… انها تصل لبسكويت الأطفال!
نتكيف قسراً مع أوضاع معوجة، والجهات التي تعلن محاربة التستر تستمر في التستر. أصبح من المعتاد أن تقرأ أخبار إحباط البضائع الفاسدة، وينتهي الأمر بإحباط أكبر ينهمر على المجتمع، غرامات لا تمثل شيئاً مقارنة بالتعدي على صحة الإنسان ولا بأرباح قذرة، في حين يقبع التاجر «العفيف» في منزله أو «مصيفه» يبتسم. المستهلك بالنسبة إليه بقرة حلوب يطعمها كل فاسد. لماذا؟ لأنه علم أن العقاب يشكو من الفقر المدقع، أما السمعة فهي مصانة. بقي سؤال مزعج… لماذا لم يطبق نظام مكافحة الغش التجاري «الجديد» على رغم مرور أكثر من عام على صدوره!

«نراك والله يرعاك»

1 يوليو 2009

تخيل أن المسؤول يستطيع خفض عدد الفقراء بقرار أو تصريح صحافي، لا شك أنه أمر يدعو للبهجة والسرور. ليس هناك مجتمع يرغب في عدد متزايد من الفقراء، تخفيضات الأرقام لم تخص الفقراء فقط بل طاولت – سابقاً - عدد العاطلين، كما شملت عدد الخاسرين في سوق الأسهم، الغرض في تقديري المتحفظ هو التخفيف على النفوس، عدم تضخيم الأمور لئلا يصل البعض إلى مرحلة الإحباط.
والنفي أصبح من الأعمال الصحافية المتخصصة، هناك بعض المنتسبين للصحافة – مثلاً - برعوا في أخبار النفي، من «لا صحة…»، إلى «لا حقيقة…»، وهناك صحف خصصت صفحات لهذا السبق، هذا النوع من الأخبار يرحب به بعض المعنيين ولا يلامون «فكل يحوش النار لقريصه».
قلت: «لا يلامون». لأن لا جهة متواجدة تسأل «ثلث الثلاثة كم»، وإذا أخذنا الأرقام فإن عدد فروع البنوك في مدن ومحافظات وقرى السعودية تعني - إذا احببت - ان سكانها من الأغنياء، فهي أكثر من فروع أية جهة حكومية على الإطلاق، لا تتواجد البنوك إلا بتوافر السيولة والدليل أمامكم فلماذا الحرص على الصداع.
يلاحظ المتابع أن الأرقام حق حصري للجهة المعنية بعلاجها، وكأن لا مصلحة عامة للإحصاءات والمعلومات «كائنة»، فهي من «التخطيط» الذي لا يرى ولا يقرأ، ولو جاءت الأخيرة - فرضاً - بأرقام ستكون مستمدة من تلك الجهات كما هي حال تفاصيل خطط التنمية توازنت أو لم تتوازن.
وإذا انتفض أحد الإخوة الكتاب وقال إن بعض فقراء غير مشمولين بالضمان الاجتماعي سيرد عليه بنقص وعي يشكون منه، فهناك أكثر من ثمانين مكتباً للضمان في السعودية، وهي أقل من عدد فروع بنوك متوسطة، لكن ماذا يقدم الضمان الاجتماعي؟ يقدم الأخير أقل من مئة دولار شهرياً لكل فرد من أسرة مكونة من ثمانية، وأكثر من ذلك قليلاً للفرد من أسرة مكونة من ثلاثة، والدولار عملة صعبة لذلك حرصت على القياس به.
لو استطاعت الشؤون الاجتماعية نقل المستفيدين من الضمان إلى ما فوق خط الفقر غير المعترف به حالياً، لصفق لها الجميع، لكنها تتعامل مع الفقراء تعاملها مع الجمعيات الخيرية، إذ لم تنبس ببنت شفة في قضية قرض جمعية البر في جدة، ولم تحرك ساكناً في قضية جمعية الإعاقة السمعية… هذه نماذج، مشكلتها أن الفقراء مسؤولية مباشرة، ولن يستغرب قيامها بوضع خط الفقر إلى ما دون سطح الأرض، وهي أنجزت واجبها فنظفت موقعها من كلمة «فقر»، انه لا يرد حتى في هيكلها التنظيمي، وإذا أردت أن تعرف عدد الفقراء في السعودية أدعوك - مرة أخرى - للدخول إلى موقع الوزارة http://www.mosa.gov.sa، ضع كلمة فقر في محرك البحث ثم احسب عدد «التكات». لا تنس أن شعار الوزارة يقول: «نراك ونرعاك» فإذا لم ترك، فلا بد من أنك شبح. يجب طرده من جسد الوطن.

«الضحك على النفوس»

30 يونيو 2009

إذا كان تصدير المياه أمراً عادياً، فما هو السبب يا ترى في استقصاد مزارعي القمح وشركات الألبان؟ هل هو موقف من السنابل الذهبية وحظ العصافير من حبها أو تمييز ضد الأبقار المستوردة؟ ربما هو حسد وغيرة. تصدير المياه لا يتم بالتهريب بل عن طريق منافذ جمركية، لست أرى إجابة لذلك سوى أننا نضحك على أنفسنا أو أن بعضنا يضحك على البعض الآخر.
زراعة القمح تقدّم شيئاً للبلاد والأمن الغذائي… مهما اختلف في أمرها، فهي، في النتيجة، تقدّم شيئاً، ومنتجات شركات الألبان تقوم بمثل ذلك، فلماذا جرى التركيز عليهما، وعلى «مساكين» يمتلكون مزارع شاسعة شُهّر باستهلاكها الضخم للمياه، فيما ترك تصدير المياه الصالحة للشرب وصمت عنه! التفسير الوحيد المتوافر أمامي هو نظرية «الجزر المعزولة»، وغياب الرؤية الاستراتيجية الموحدة، إنه العمل بخطوط متوازية «واحد رايح والثاني جاي»، لا تجمعهما أي محطة استراحة أو حتى «دوار» ولو على الطريقة السعودية، الأفضلية فيه لصاحب الشاحنة!
لذلك لا يمكن استيعاب محاولات «حلب» السحب، بالاستمطار إلا أنه فعالية احتفالية غرضها الترويح عن الناس، كان ينقصها دخان بالألوان لمزيد من البهجة، وهو ما ينطبق على إنشاء كراسي بحث للمياه في الجامعات وجوائز للأعمال المرشدة والمجددة لهذا السائل الحيوي.
الصحراء تصدر المياه… شعار جميل ومؤثر، يمكن أن تصدر فيه كتب ومجلدات تفاخر لبيع العطش على العطْشَى ويجد فيها «المعشت» مادة خصبة «للقلوط».
هل نستحق ما تبقى لنا من مياه تحت الرمال؟ نشكو من ندرتها ونطالب بتغيير «الحنفيات» والترشيد لدرجة يتوقع معها المرء تقنين الاستحمام في حين نصدرها للخارج؟
لك أن ترى ماذا فعل ويفعل من يستحق الماء والمطر، من يقدره مع توافر مصادر متجددة لديه، تنهمر عليه السماء معظم أوقات السنة، ولا تخطئ العين في فضائه السحاب.
(طورت جامعة «ليدز» البريطانية غسالة ملابس صديقة للبيئة تستهلك كوباً واحداً من المياه أثناء عملية التنظيف ويتوقع طرحها في الأسواق العام المقبل. وتستهلك النسخة المطورة من الجهاز، أقل من عشرة في المئة مما تستهلك الغسالات التقليدية من مياه، وطاقة أقل عن تلك، تصل إلى 30 في المئة، وتستعيض عن المياه باستخدام الآلاف من الحبيبات البلاستيكية الدقيقة الحجم، التي يمكن إعادة استخدامها مراراً، وتستند تقنيتها على جذب الأوساخ وامتصاصها جراء الرطوبة).
«ستيفن بركينشو» هو مخترع الغسالة التي وصفت بالثورية، «من الثورة لا الثيران»، وهو رجل يستحق التقدير، فمع كثرة ما استخدم المظلة اتقاء للمطر في حياته لا يزال يقدّر قيمة الماء، أما نحن فما زلنا نجلب مزيداً من الماء للمكيف الصحراوي… ونصدر باقياً لا نعرف كم تبقى منه!

الحصار

29 يونيو 2009

يشعر بعض منا بالحصار. حاصرتهم بعض المصارف، وتبعتها شركات آخرها «التقسيط» التي انضمت إلى شبكة شركة «سمة»، والاخيرة أنشأتها البنوك بدعم وحماية من «مؤسسة النقد»، ومن حق المصارف وغيرها المحافظة على حقوقها، لكن في الكفة المقابلة لا جهة تحمي حقوق الناس سوى لجان في دهاليزها متاهات وعقبات.
تصلني رسائل تشكو من هذا الحصار وتتساءل عن قانونية استخدام معلومات شخصية وخاصة لعملاء المصارف وشركات اخرى من جانب من استطاع إليها سبيلاً عن طريق «سمة».
لا بد من محاولة تشخيص الواقع لمزيد من الفهم، نحو تحقيق مستوى معقول من التوازن والعدل.
يحكي واقع نعيشه ان هناك جهات منظمة في بلادنا لها تاريخ حافل بالعمل المؤسسي وتراكم الخبرة وعلاقة متجذرة بالجهات الحكومية اضافة إلى توافر أموال. هذه الجهات تعمل بجد واجتهاد لحماية مصالح من تمثلهم وزيادة مساحة هذه المصالح، بحثاً عن فرص جديدة، وفي مقدم هذه الجهات منظومة المصارف المحلية والغرف التجارية، وهما تمثلان قطاعاً مهماً من الاقتصاد، إلا أن هناك قاعدة عريضة من المجتمع لا يمثلها احد، ولا تسعى للحفاظ على حقوقها جهات حكومية أوكل إليها هذا الأمر، العمل في القطاع الخاص اكثر مرونة واسرع اتخاذاً للقرار بعكس ما يحصل في القطاع العام. هذا الواقع جعل بعض هذه الجهات يقوم أحياناً بدور العقل المفكر لبعض الاجهزة الحكومية، فهي أول من يعرف بالاتجاه الاستثماري وأول من يعد العدة له، ولمرونته ومحفزات الربح والمصلحة التجارية هو أول من يقدم الاسلوب والطريقة التي تناسبه، هذا في تقديري احد اسباب دوراننا في حلقة مفرغة، فالاختناقات تزداد في القطاعات ولا يُرَى انفراج.
لهذا الواقع… نتيجة واحدة هي الاستثمار بالحصار، مع احتكار قلة، ولو كانت هناك جهات بالقدرة والمرونة والقوة نفسها تحافظ على حقوق الفئة العريضة من المجتمع وتقتص لها، لكان الامر معقولاً ومقبولاً. قلت الفئة العريضة من المجتمع ولم اقل المصلحة العامة. الأخيرة الكل ينظر إليها من زاويته.
ما الحل إذاً أمام سطوة عدد محدود جداً من عمالقة ترسخت اقدامهم في المجتمع، في مقابل قطاع عريض من الصغار؟ الحل هو إعادة تقويم وإصلاح عمل الجهات الموكل إليها الحفاظ على التوازن وتغليب مصلحة الاكثرية على الأقلية… ولأن هذا بعيد الاحتمال، يبقى اضعف الايمان، لا تقترض ولا تشتري شيئاً بالتقسيط… توقف عن هذا، وعلم أولادك الاقلاع عنه… انه لا يختلف كثيراً عن المخدرات.

من الذي يشكو من نقص الوعي؟

28 يونيو 2009

بدأت اسطوانة نقص الوعي وازمة فيه، والسبب انقطاعات الكهرباء في السعودية. كالعادة الحمل يوضع على المواطن… كأن الشركة فوجئت بالصيف مبكراً، ليتلاشى «تخطيطها» بالتوقعات، المجتمع «شيال»، فلماذا لا يضع البعض على ظهره مزيداً من الحمل؟ من السهل انتقاد مجتمع تحت بند الوعي الناقص… اتهام يضيع في الزحام، الصعب هو وضع النقاط على الحروف لأفراد مسؤولين عن توجيه هذا الوعي وصناعة القدوة له.
على سبيل المثال ما هي الجهات الحكومية التي تضافر وعيها بالنقص فقامت بما عليها؟ هل نحن بحاجة إلى اسواق مفتوحة ضخمة «مبردة» وغيرها في أوقات الذروة الكهربائية؟ ثم انه في وقت يطالب الفرد بإطفاء لمبة «صفر»، تشتعل الكشافات الملتهبة في الشوارع وأمام الأسواق، محدثة تلوثاً بصرياً مزعجاً. من يمتلك وعياً بمثل هذا؟ هل هم الافراد البسطاء «أبو مكيف وثلاثة»، أم مسؤولون في جهات هنا وهناك؟
في الجانب الكهربائي تقول الحقيقة ان المسؤولية تتجاوز شركة الكهرباء، لتقع على الوزارة المشرفة على شركة لديها امتياز واحتكار وإعانات، وهي ايضاً تقع على «هيئة تنظيم الكهرباء والانتاج المزدوج» المعنية بحقوق المستهلكين، فلم يظهر لها أثر في رد حقوق مع انقطاعات بالجملة عن محافظات كاملة منذ سنوات. الهيئة لم تستطع فك احتكار الكهرباء وفتح الآفاق لاستثمارات جديدة، على رغم مرور سنوات طوال على إنشائها، وقنعت بالظل… لتظهر الشكوى أخيراً!
في مؤتمر صحافي، دافع وزير الكهرباء عن الشركة، ونفى وجود فساد فيها، وطالب من لديه شيء من هذا القبيل بأن يقدمه للوزارة! أقول، الأولى ان يقدمه - إذا توافر - لهيئة الرقابة والتحقيق.
أشير إلى أمر آخر يتعلق بالأفق الاداري ومشكلة الاحتكار، وقد أغناني تصريح نائب محافظ هيئة تنظيم الكهرباء الدكتور عبدالله الشهري أمس في «الرياض»، إذ قال: «نظراً لعجز دخل الشركة السعودية للكهرباء عن تغطية متطلبات الاستثمار، وفي الوقت نفسه عدم تعاون الشركة في إيجاد بيئة جاذبة للاستثمار في صناعة الكهرباء، كما ينص على ذلك نظام الكهرباء وتوجيهات الهيئة، وإصرار الشركة على احتكار جميع أنشطة الكهرباء، وإدارتها بالأساليب التقليدية المتبعة منذ دخول الكهرباء للمملكة، على رغم علمها بالنمو المتسارع للطلب على الكهرباء، كل ذلك أدى إلى تآكل الاحتياط في قدرات التوليد وسعات شبكات النقل والتوزيع، ما جعل من المستحيل السيطرة الكاملة على المنظومة عند وقوع خلل في أي من مكوناتها، خصوصاً في فترة الذروة خلال أشهر الصيف، إذ يتلاشى تقريباً الاحتياط»… انتهى.
اذاً، من هو الذي يعاني من أزمة وعي أكثر من غيره؟ ولماذا لا يعتبر تصريح نائب المحافظ بلاغاً لوزير الكهرباء؟