أرشيف تصنيف ‘الحياة‘

تجفيف منابع التسوّل

9 مايو 2008

كانت خطبة صلاة الجمعة عن معاناة الإخوة الفلسطينيين في غزة من الحصار الصهيوني الظالم. بعد الصلاة وقف رجل، ليتحدث بصوت جهوري واثق، فأثنى على الخطبة والبلاد التي تهتم بكل شقيق وصديق وأبنائها الذين يسارعون للخير، كان الرجل مفوهاً مسهباً، ثم فاجأ المتحدث الجميع بطلب التبرع له لأنه في حال صعبة، وعدّد أشكالاً من صور المعاناة التي قال انه يعيشها.
الحقيقة أني أعجبت بالقدرة على ركوب الموجة، كان الاتجاه العاطفي الصادق إلى المحاصرين في غزة، فركب الرجل الموجة ثم وجهها لشأنه الخاص ليجلس على أعتاب باب المسجد منتظراً «المحصول».
الله اعلم بحال ذلك المتسوّل المفوّه، صادقاً كان في شرح حاله أو غير ذلك، وأدعو له وللجميع بوافر فضل الحنّان المنان… رزقاً حلالاً نظيفاً لا ينزع من الوجه قطعة جلد، إلا أننا ما زلنا في المساجد لا نرى أثراً لإمام ولا لمؤذن في التأكد من حقيقة من يدعي حاجة، وكأن المساجد من غير إدارة وإشراف.
لكن ما سيأتي ذكره تالياً موقف مغاير، فيه شعور بالمسؤولية من مواطن غيور… نموذجي.
في مسجد آخر شرق الرياض وبعد صلاة العشاء وقف متسوّل عارضاً حاجته ملوحاً بتقارير مستشفى. مشهد مألوف يكاد يصبح جزءاً من أعمدة المساجد، بعد أن أنهى المتسوّل كلامه توجه ليغادر، عندها وقف احد المصلين وأمسك بيد المتسول وبصوت عال طلب منه إثبات هويته، تمتم المتسول بكلمات غير مفهومة ألحقه الرجل بالسؤال الآتي: ارني تقريرك أو صكك، فألقى نظرة عليه ثم قال للمصلين، «يا جماعة هذه صورة تقرير مستشفى والختم عبارة عن خربشات باللون الأزرق».
ترك الرجل يد المتسول لينسل وسط الزحام بسرعة، وتوجه بالحديث للمصلين قائلاً: لست موظفاً في مكافحة التسول ولا مسؤولاً أمنياً، أنا مواطن عادي مثلكم، تأزمت حالي النفسية من مشاهد النصب والاحتيال من هؤلاء الذي يستخفون بعقولنا ويتعاملون معنا كأطفال أو سذج، أرجوكم كل الرجاء لا تكتفوا بهز الرؤوس والانصراف، ولا تنفقوا مالاً على هؤلاء، ولا تمنحوهم الثقة العمياء، إن كنتم تريدون الخير فعلاً فاطلبوا هوياتهم وأوراقهم، وأضمن أنكم ستكتشفون الخدعة خلال اقل من دقيقة، لنضع حداً للضحك على الذقون. ثم التفت الرجل إلى إمام المسجد وقال: لن نقطع حبل الخير والصدقة، لكننا نرجو منكم أن تطلبوا من هؤلاء أن يقدموا إثباتاتهم وتقاريرهم لكم أولاً لتتأكدوا، قبل أن يستغلوا المساجد والمصلين في الكسب غير المشروع.
انتهى الموقف النموذجي، فهل رأى أحد منكم دوراً لوزارة الشؤون الإسلامية، في مكافحة التسول والنصّابين، وكأن إجراء مثل ذاك يحتاج إلى اختراع! لكن الأصل أن التسوّل ممنوع فلماذا لا يمنع في المساجد؟ هل هناك «وقفة نفس» بين الشؤون الاجتماعية والشؤون الإسلامية؟!

 

لا للإحباط

8 مايو 2008

أتوجّس خيفة من أن يؤثر رد فعل وزارة الصحة في نشاط وأداء الإخوة الكرام في جمعية حقوق الإنسان، في حين أنتظر أن يدفعهم ذلك، إلى عمل اشمل في ملاحقة ومتابعة كل الحقوق، الصحية وغيرها، وهل يتم تقديمها ممن أوكل إليهم ذلك. من الصعب على الإنسان وهو يقوم بدور حقوقي منطلقاً بحماسة لإنجاز أهداف عامة للمصلحة العامة ويجتهد ثم يفاجأ برد فعل مثلما فعلت وزارة الصحة في بيانها الشهير.
لا نريد أن يتسلل الإحباط إلى العاملين في جمعية حقوق الإنسان، ولا أن يصبحوا أكثر ديبلوماسية، لأن قصور الوعي بالحقوق لا يقتصر على أفراد بل يشمل جهات رسمية، خصوصاً إذا جاءت ملاحظات معلنة تضع الأصابع على الجروح من جهة رسمية أخرى لها صدقية عالية مثل الجمعية.
والحقيقة أنني خلال متابعة لجهود الجمعية وشقيقتها هيئة حقوق الإنسان، لمست ممانعة تجاه نشاطاتهما، إما بعدم الرد الشافي على ملاحظات وخطابات أو إهمالها، يضاف إلى ذلك ترغيب يأتي بين حين وآخر، على شكل نصائح تنبه العاملين من التشعب في النشاط الحقوقي، تضع هذه النصائح حدوداً للعمل، عملاً بالحكمة القائلة «مالكم ووجع الرأس» وشقيقتها التي تقول «وهل ستصلحون الكون» وبنت عمها الشهيرة «الشق أكبر من الرقعة»!
ولو عدنا إلى تقرير جمعية حقوق الإنسان الأول الشامل الذي صدر العام الماضي وردود الفعل من بعض جهات رسمية تجاهه لعلمنا ان الطريق طويل وشاق، خصوصاً ان الجمعية ومعها الهيئة لا تملكان سوى المخاطبات، لكن ما يجب عدم نسيانه أن الإعلام في المتناول وهو مؤثر، وفي نموذج رد فعل وزارة الصحة الأخير خير دليل، واستخدامه ضروري، بل أراه واجباً، ليعلم المجتمع أن الجهات الحقوقية تقوم بعملها حاملة همومه، وحتى يكون التقصير والنقص واضحين للعيان وقد وضعا على سطح المكتب.
تخيل لو أن جمعية حقوق الإنسان بعد اجتماعها بوزارة الصحة أصدرت بياناً يشير إلى تطابق وجهات النظر، وعبارات مغلفة مفعمة بالآمال المستقبلية عن الخطط والنيات والمشاريع التي تم اعتمادها الخ… ما لا يجري سوى ذكره إعلامياً، تخيل وقع ذلك على أفراد المجتمع الذي ينتظر دوراً اكبر وفاعلية أكثر أثراً.
قضية الصحة وبيانها علامة إيجابية بارزة في عمل جمعية حقوق الإنسان يحسب للأخيرة وللعاملين فيها ويشكرون عليها… أعتبرها وساماً لامعاً حقيقياً، والمطلوب أن يكون ما حصل دافعاً للامام. لن نقبل من جمعية حقوق الإنسان ولا هيئة حقوق الإنسان إلا أن تكونا أكثر صراحة ونقداً مستقبلاً، وهما تستلهمان الرؤية الملكية المعلنة في نقد الذات ورفع الظلم عن المظلومين، وتعملان على تحقيقها على ارض الواقع.

دراسة ومساهمون

7 مايو 2008

الدكتور سلطان العنقري وبمشاركة الباحثين دهمش الدهمش وعبدالمحسن العمر وعبدالعزيز المنيع، أجروا دراسة أمنية مهمة عن جرائم العمالة الوافدة في السعودية بتكليف من وزارة الداخلية، هي الأولى من نوعها من حيث الشمولية كما ذكرت صحيفة «الرياض». والحقيقة أن هناك غياباً للمعلومات المفصّلة عن القضايا الأمنية والجرائم، ولا يمكن للمهتمين التوصل إليها بسهولة.
والدراسة، بالمعلومات التي نشرت، في غاية الأهمية لقطاعات حكومية مختلفة، بعضها يتبع وزارة الداخلية، إضافة إلى وزارة العمل وهيئة الاستثمار الأجنبي، فهما أكثر جهتين تمنحان تأشيرات الاستقدام. وتميزت هذه الدراسة الميدانية بذكرها جنسيات الجناة ومستوياتهم التعليمية، ومدى شرعية وجودهم في البلاد. وخلصت إلى أن العمالة اليمنية، تليها الباكستانية ثم الهندية والبنغالية، تتربع على أعلى القائمة بحسب الترتيب، ويشكل الأميون وأصحاب التعليم ما دون المتوسط أكثر من 80 في المئة منهم.
وزارة العمل وهيئة الاستثمار معنيتان بهذه الدراسة بصورة رئيسية. وينتظر أن يكون مشروع البصمة احد القيود، التي تحد من تفشي جرائم العمالة وسهولة عودتها، إلا أن تناغم التنسيق بين تلك الجهات الحكومية ووزارة الداخلية، بات ضرورياً حتى لا تذهب جهود الأخيرة سُدى.
ولا يمكن المطالبة بما أقرته دولة الكويت، التي قررت إبعاد الوافد الذي يتجاوز إشارة المرور الحمراء. ربما تفرغ شوارعنا لو طبق هذا الأمر، ونتخلص من الازدحام ونسبة من المخالفين، لكن يمكن التدقيق في إجراءات الاستقدام ورفع مستواه وإعادة تقويمه، إضافة إلى التركيز على إبعاد المجرمين بصورة لا تسهل معها عودتهم مثلما يحصل، لأن إجراءات «الإبعاد»، كما علمت، تختلف عن غيرها.
. . .
ذكرت صحيفة «عكاظ» أن الفارق بين حقوق المساهمين وقيمة صفقة «جزر البندقية» هو 680 مليون ريال، ولست أعلم ما المقصود بحقوق المساهمين، هل هي قيمة ما دفعوه للمساهمة في ذلك الوقت، أم غير ذلك؟ وذكرت الصحيفة أن مبلغ الـ 680 مليون ريال الزائد، سيخصص كالآتي: 400 مليون ريال تكاليف التصفية، 100 مليون للمسوقين، 180 مليون ريال مصاريف أخرى.
وبهذا أرشح مساهمة «الدريبي» أو «جزر البندقية» للدخول إلى كتاب الأرقام القياسية في باب «المساهمات العقارية وما نحوها»، فهي الأكبر في الحملة الإعلانية والأسرع في الإيقاف والتصفية كذلك. وهي أيضاً الأكثر ربحية في سوق العقار للمصفين والمسوقين والمصاريف الأخرى (180 مليون ريال) التي لم يذكر ما هي؟ وزارة العدل معنية بتوضيح حقيقة تلك المبالغ للرأي العام وللمساهمين، وهل تمت بما يحفظ حقوق المساهمين، ألم تكن هناك سبل أخرى؟! والتوضيح الذي نشرته صحيفة «عكاظ» لاحقاً لم يتطرق إلى أية أرقام.
دفع المساهم في جزر البندقية ريالاً يختلف في قيمته عن الريال الحالي، الأخير تآكلت قوته الشرائية وكان الأجدى، بل الأحوط أن تطرح تصفية وتسويق المساهمة وبيعها في مناقصة، والحمد لله تعالى الذي لم يجعل لي سهماً فيها، لا مع المساهمين، ولا المصفِّين.

وعاء من ذهب

6 مايو 2008

كتب الكثير حول استثمار فضائيات للتصويت المدفوع، وقيل ما قيل عن استغلال المجتمع السعودي. وُصف المصوتون بالسذاجة والمستغلون بالابتزاز، وغالباً ما يرمى الحجر الكبير على الخارج في حين ترمى أحجار صغيرة في الداخل.
بدأت بالفضائي لأنه الأكثر ظهوراً للعامة، لكن حال «مص العظم» تلك وتشكيل الثروات حدثت وتحدث بصور شتى، ما يشير إلى ان المجتمع السعودي وعاء مالي تغرف منه الكثير من الجهات. ولأنني اعتقد ان اصل الخلل من الداخل، آتي – هنا - بأمثلة، لعل طرح شركات للاكتتاب اكبر مثال على التعامل غير الراشد مع السوق السعودية واحترام مجتمعها. مررنا بتجارب لا تحمي سوقاً تتكون في معظمها من شرائح وسطى أو اقل، بدعوى ان الوعي الاستثماري قضية فردية! طرحت شركات وتطرح، فيحصل ملاكها على اعلى من قيمتها، كاملة، في مقابل طرح 30 في المئة منها، جرى ويجري هذا بتراخيص رسمية. الفارق بين هذا وشركات توظيف الأموال الوهمية ان الأخيرة تقدم موقتاً ارباحاً مرتفعة، لكن طرح نسبة ضئيلة من رأسمال شركات للاكتتاب وبعلاوة إصدار مبالغ فيها بموافقة هيئة سوق المال، تحول إلى أمر عادي، إن الوعي الاستثماري، لدى الأفراد، الذي دائماً ما يتهم بالقصور يستند عليه هنا من جهات رسمية.
البنوك أيضاً تستغل هذا الوعاء المالي، تطفئ خسائرها الخارجية وديوناً معدومة من سيولته، وهي المتحكم الأكبر بالقروض والخدمات على طريقتها الفظة.
لذلك ليس مستغرباً ان تقوم الشركة السعودية للصناعات الأساسية «سابك» بإصدار صكوك لتجميع السيولة، انه شكل جديد من أشكال «الغرف» المالي.
لماذا أقول هذا؟ أليست شركة سابك «صرحاً» وطنياً؟ بلى فهي تستفيد من اللقيم الرخيص، وترفع أسعار الحديد في الداخل وتستمر بتصديره! بلى هي من الصروح، لكنها اصدرت صكوكاً وطرحتها للعموم بسعر متغير بنقاط أساس عدة تضاف إلى سعر السايبر (سعر الإقراض بين البنوك) علماً أن سعر السايبر هذه الأيام لا يتخطى 2 في المئة، في حين أنها في العام الماضي اقترضت من بنوك أميركية وعالمية لغرض تمويل صفقة البلاستيك بسعر فائدة ثابت يزيد على 9 في المئة!
ذهبت إلى الخارج وهو يشكو من شح السيولة وأزمة الرهن العقاري، في حين كان الوعاء المالي المحلي، آنذاك، مترعاً بالسيولة، وكان من الممكن طرح ما يطرح الآن في وقت مبكر بسعر مجزٍ والحصول على الأموال اللازمة، وتحقيق جملة فوائد لـ «سابك» وللمجتمع، بدلاً من تقديمه على طبق من فائدة مرتفعة عبر المحيط… وتقديم الفتات للداخل.
وإلا، ماذا سيستفيد صغار المستثمرين من مثل هذا الطرح منخفض العوائد والسيولة.
إن الصورة متشابهة، من الفضائيات إلى الطروحات مع اختلاف التفاصيل، والسبب أن هذا الوعاء يعتبره البعض «جداراً قصيراً». إذا كانت لديك القدرة.. تلفت يميناً ويساراً وارفع ثوبك «واطمر»… ستسقط في وعاء من ذهب.

«على الحديدة»

5 مايو 2008

إذا كنت ممن يوصفون بأنهم «على الحديدة»، إشارة إلى أحوالهم المالية المتردية، فأنت تجلس على ثروة، انتبه حتى لا يأتي احد ويسحبها من تحتك. ومع هذا الهوس في سرقة الحديد يُحمد المولى - عز وجل - انه خلقنا من طين لا من حديد، لك أن تتوقع ما كان سيحدث.
كانت ظاهرة سرقة الحديد والنحاس باقتلاعهما من الشوارع والمباني وخطفهما من المستودعات بينة المعالم لا تحتاج إلى محقق جنائي من وزن «كولومبو»، ومنذ بداياتها المتواضعة، في مشهد عامل على سيارة «وانيت» يلتقط المهمل من قطع الحديد المتناثر بالشوارع، منذ ذلك الوقت المبكر، حاولت الاشارة والتنبيه وأيضاً الإرشاد إلى مكامن الخلل، وركزت على المشترين، لكن من دون فائدة. الذين يشترون ويصهرون أو يصدرون الخردة بقوا خارج نطاق البث الأمني… في ما يعلن، وتم الاكتفاء بأخبار عن القبض على عمالة، لذلك استفحل الأمر حتى وصل لسرقة أعمدة كهرباء، فانقطع التيار عن محافظة كاملة، وأبراج تقوية بث الهاتف الجوال فأصبح إمكان الاتصال معدوماً.
ومع استمرار تراجع «القدرة الشرائية» واتساع أفواه المشترين وبطونهم وطلب متنام، استمرت السرقات وزادت، فأصبحت سرقة كابلات النحاس من بيوت تحت الإنشاء أو شبه مهجورة، ومعها أغطية الصرف، وعيون القطط بالملايين، موضة قديمة ووصل الأمر إلى قضبان السكة الحديد! لماذا لم نبدأ مبكراً في معرفة المشترين وحصرهم ومراقبتهم والضرب على أيديهم الطويلة يا ترى؟ هذا سؤال لا املك الإجابة عليه، وكنت سأستنجد بالمحقق الشهير كولومبو إلا انه قد طعن في السن، وشوهد على شاشات التلفزيون وهو في حال صعبة.
وصلنا إلى سرقة هياكل أبراج خطوط الكهرباء والهاتف، وكل معدن في الشوارع، ولم ينته الأمر عند هذا الحد، ففي حادثة نشرتها «الحياة»، في «المويه» قرب الطائف تعطلت ماكينة سيارة احد المواطنين فنزع الماكينة وذهب لإصلاحها، بقيت السيارة من دون ماكينة فجاءت مجموعة من لصوص الحديد بمناشير كهربائية وقطعوها، سيارة من دون ماكينة ليست لأحد! وإذا لم يقبض على المشترين ويحاسبوا وتقدر الخسائر التي تكبدتها جهات حكومية ومواطنون ويُحمّلون إياها ربما نصل إلى يوم تسرق فيه المفاتيح من الجيوب لصهرها أو تصديرها خردة.
والحديد الذي كان رمز القوة جمع معها المال لأسباب «تصهيرية»! ويقال في أمثالنا الشعبية ان فلان سخنت حديدته إشارة إلى أن الأمر وصل به إلى منتهاه، لأن الحديد لا يسخن إلا بتعرضه لدرجة حرارة مرتفعة، وقد وصلت ظاهرة سرقة الحديد لدرجة الاحمرار، فإذا كنت «على الحديدة» فقد أعذر من انذر!