آداب الجوال

تحولت حياتنا إلى جنة للفضوليين، لم يعد الواحد منهم في حاجة إلى جهد للبحث عن مصادر للمتعة وتفحص أحوال الآخرين، بل أتوقع أن الفضولي في هذا الزمن صار محتاراً، أي “القنوات المتحركة” يختار؟ خصوصاً أن معظمها “غير مشفر”، وأصواتها مرتفعة أكثر من محال بيع أجهزة الصوتيات والمرئيات، وتحول الهاتف الجوال النقال إلى منحة ومكرمة للفضوليين مع تكاثر المتحدثين بأصوات يسمعها النائم في غرفة معزولة، ويستغرب المرء من هؤلاء الذين يتصلون أو يردون على اتصال بأصوات شبيهة بعروض الدلالين في الأسواق الشعبية، ومن طبقات صوتية “نشازية”، من دون اهتمام بأحوال من حولهم ولا بخصوصياتهم، فتضطر إلى سماع حكايات عن مشكلات العمل أو العائلة، ولا يردع هؤلاء ماهية المكان، سواء كان مسجداً أم مستشفى أم غرفة ضيقة مكتظة بالمنتظرين، وليس لك إلا الهروب بعيداً، ويتحدث البعض من خلال الهاتف الجوال من دون وعي، فيرفع صوته وكأنه ينادي من على السطوح شخصاً آخر في قبو، والصوت المنخفض من آداب الحديث، ومع ذلك تجدهم مع أمثالهم من مستخدمي مكبرات الصوت، يرفعون أصواتهم أمامها على رغم أن وظيفتها التي صنعت من أجلها هي تضخيم الأصوات!
ومن آداب استخدام الهاتف الجوال ألا تتحدث بشؤونك الخاصة أمام الآخرين، خصوصاً في مكان مغلق، اخرج يا عزيزي وتحدث على راحتك، فإن لم تفعل فأنت تنتهك خصوصيات الآخرين، فما شأنهم بأحاديثك، وللأسف حتى الآن لا قيمة تذكر في مجتمعنا لخصوصية الفرد، وفي برنامج أميركي قام المعد بتجربة لطيفة، حيث جلس احد مساعديه في مطعم مكتظ والزبائن يتناولون الطعام مع عائلاتهم، وجعله يتحدث بصوت مرتفع من خلال هاتفه الجوال، ليرى ردود فعل الآخرين، بعض منهم تابع القصة باهتمام، وتذمر كثير منهم وطلبوا منه الخروج، وحاول أحدهم أن يخرجه عنوة، ومثل هذه البرامج الجيدة لا تستنسخ في القنوات العربية الفضائية، فهي تخصصت في برامج التعري والتصويت المدفوع، لا تستنسخ هذه البرامج المبدعة، لأنها تحتاج إلى أفكار وتفكير وهذه أمور صعبة على الفضائيات، على رغم أنها تسهم في تخفيف حدة التبلد لدى البعض وتذكره “ربما” بمن حوله. بيننا أناس وهم في مكان عام “يندمجون” معتقدين أنهم في غرفة نومهم الخاصة! يظهر أنهم لا يملكون مثل هذه الحرية في تلك الغرف المغلقة، فينفسون عما في صدورهم خارجها. أما الفضولي في هذا الزمن فإن جميع حواسه في حالة انتشاء ومتعة لا تضاهيها متعة، أينما ذهب وجد قنوات غير مشفرة “تلعلع” فيجلس بهدوء ليروي عطشه.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف الحياة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.