رضاعة السلامة

إذا أردت أن تعلم أخلاق قوم أو علاقة سكان مدينة ببعضهم فانظر إلى أسلوبهم في قيادة المركبات. بقليل من التفحص سترى حجم الأنانية، ونسبة قطع الطريق «الحنشلة»، والتلذذ بمضغ حقوق الغير.
وإذا كنت ممن يتبع النظام ويحترمه فلهذا ثمن كبير يجب دفعه بالتقسيط المنتهي بارتفاع الضغط، الدفعة الأولى منه غمط حقك لتصبح في آخر الركب، وإذا تماديت فأضفت إليه شيئاً من الأريحية وتقديم غيرك عليك حتى ولو كان مسناً يعبر الطريق، فأنت في عرف بعضهم «خروف»… يصلح للشوي أو للكبسة، العرف السائد أن الذئب هو سيد الحيوانات الآدمية! هو القدوة، مع أن من صفات الذئب، الخبث والغدر والتخريب، مثلاً يقوم الذئب بقتل عدد من الأنعام أكثر من حاجته للأكل، لكن صفة الضراوة والشراسة والقنص فيه طغت، فخلبت لب بعضنا فأصبح منذ زمن بعيد… هو بعينه القدوة «الخشنة»، وإذا أراد باحث الغوص في سلوكياتنا وأصول ضراوة فيها، ورغبة بعض منا في كسر النظام عمداً وكرهاً فيه، واستعصاء إدراكهم لمعنى التحضر، فله أن يدرس حيوان الذئب وصفاته وسلوكه.
أما إذا أردت معرفة رأي جهاز ضبط النظام «المرور مثلاً» بالمطبق عليهم النظام فانظر إلى عدد الحواجز الأسمنتية وأسلوب صفها والمطبات الزفتية وأنواع الأخيرة التي فاقت لدينا عدد المتضررين من الأزمة المالية العالمية، بعض هذه المطبات يدفعك للشك أن لمن وضعها علاقة بورش تربيط المركبات وعيادات تقويم العمود الفقري، فهي تفكك المركبة وعظام ركابها.
وكلما وقفت أمام فلتر مروري، أي نقطة تفتيش، شاهدت غمط حقوق المنتظمين وتشجيع غيرهم، وهو نموذج «قالبي»، معلن ستجد مثيلاً له في دوائر ومثلثات المعاملات اليومية.
وللدوار في الحركة المرورية قصة عجيبة معنا، ولو كانت هناك كاميرات ترصد من أعلى لما يحدث في الدوارات ومن يمر ومن يقف لعجبت وضحكت، والمثل السائر الآن أن الأولوية للمستعجل! الواقع أن الأولوية للمتهور وذاك الذي لم يقدح ثمن السيارة من عرق جبينه… أما الحياة وأخطار تحدق بها وحوادث فهي في قاع القاع من الجمجمة.
قبل أيام أخبرني صديقي بأن بعضهم يحيد طنين تحذير عدم ربط حزام السلامة بقطعة بلاستيكية اطلقوا عليها «رضاعة حزام السلامة»! فإذا حشرت في فمه الأحمر سكت الرنين فانتهت المشكلة، كأنهم بذلك يسكتون من ينصحهم أو يذكرهم حرصاً على سلامتهم بقطعة بلاستيكية. في السابق كان الشباب يميزون مركباتهم عن أقرانهم بخلع ساند الرأس من المقاعد الأمامية على رغم أن له وظيفة سلامة خطيرة، يقي فقرات الرقبة من «الخنع» عند أول دوس فرملة. والحقيقة أن بعضهم عندما يركب سيارته يفك رأسه بما فيه من حواس بعد أن يعصبه بقلبه واضعاً إياهما بالقفل في شنطة الموتر والمفتاح في التشغيل! ماذا تتوقع من سائق من دون رأس؟

هذه المقالة كُتبت في التصنيف الحياة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

3 تعليقات على: رضاعة السلامة

  1. طارق حسني محمد حسين كتب:

    لاوابشرك يااستاذ عبدالعزيزاذا ذهب الواحد منا لتركيب الرضاعة يأخذون منه خمسين ريال في المقابل كل الامور والاحتياجات في الفترة الماضية اصابها الغلاء الا السجايراسعارها ثابته قبل الازمة وبعدها .

  2. حسام محمد كتب:

    الاستاذ الموقر: عبد العزيز السويد يحفظه الله
    لقد استمتعت بالفعل من قراءة مقالكم “رضاعة السلامة” في العزيزة الحياة. لقد اضفيت روح الفكاهة والتهكم من واقع نتعامل معه بصورة يومية. في معظم الاحيان انا “خروف” من “خرفان” الكبسة كما علقتم ولكن وللأسف احيانا “استئذب” او بالاحرى “اتحيون” عندما يكون الحق في جانبي… ولكن ليس بعد قراءة المقال! فالحكمة كل الحكمة في السؤال البلاغي “ماذا تتوقع من سائق من دون رأس؟”
    اشكرك جزيل الشكر لمقال رائع وأتمنى لكم المزيد من النجاح والتفوق!
    مع وافر التحية، الشكر، والتقدير،
    حسام محمد

  3. سليمان الذويخ كتب:

    اوه اوه وما من اداة للتأوه تم تحديثها مؤخرا !!
    اقول او اكتب لك اخي تأوها من هذا الموضوع
    فقد كتب ( العبد الفقير الى عفو ربه ) يوما ..
    اذا اردت ان تعرف سلوكيات من خطب ابنتك …
    فلا تسأل عنه فلانا ولا علانا
    فقط اطلب منه ان يوصلك مشوارا لا تقل مدته عن نصف ساعه فقط
    فقد تسأل عنه في مقر عمله فتصادف زميلا له بينهما تنافس على دورة تدريبية او ترقيه فيقول لك فيه مالم يقله مالك في الخمر !! فيختلط لديك الأمر وتحرم البنية من شريك العمر
    فقط اركب معه في سيارته وسترى سلوكيات غير
    اذا كان احد ائمة المساجد يخرج وتسمع ازيز اطارات سيارته ( طبع هو من الشباب الصغار ) واقسم بالله اني ما صدقت عيني للمرة الاولى حتى تأكدت من ذلك !
    لماذا تتغير سلوكياتنا فنتحول الى وحوش خلف المقود ؟!
    سيارات موديل 2009 تقبع في التشليح من اناس يكفرون بالنعمه !
    ابا احمد كفايه تجديد جروح وتقليب مواجع والا غادرنا موقعك :)

التعليقات مغلقة.