أصبح عكس السير «نظام» إجباري مع انقراض حراس النظام، ولأن «من عايش القوم 40 يوماً صار منهم»، اعكس «الخط» قليلاً، وعلى قولة البعض «نتقه»، يعني مسافة قصيرة للحاق بطريق أو مخرج. أعتبر الردود بين وزارة الصحة وهيئة مكافحة الفساد ظاهرة صحية، هذه الظواهر تموت بسرعة، ومن الموضوعية إشارة لنقطة هامة، تتلخص في أن أكثر قضايا فساد ينشر عنها في بلادنا تدور حول وزارة الصحة! تتذكرون قضية الصيدليات الشهيرة، ومستشفى الطائف، وتخصصي العيون، وقبلها بزمن بعيد قضية الشركة الكورية، وبينهما قضايا عدة عن ممارسات مديريات و«شلليات»، هذه حقيقة تخبر عن الواقع، وقد قال مدرس الكيمياء أيام الثانوي «كل إناء بما فيه ينضح». لكن و«يا للعجب»، هناك آنية لا تنضح إطلاقاً؟ فلا نقرأ عن فساد في وزارة أو هيئة أخرى، يتجمع هذا الفساد حتى ينفجر دفعة واحدة، كما حصل في وزارة الحج، ثم لا تسمع شيئاً! أو ينتظر عقوداً فيأتي سيل عرمرم يجرفه، كما في كارثة جدة لتدخل في «الدائري» القضائي.
هذا ليس دفاعاً عن وزارة الصحة، إنما هناك أجهزة لم نسمع عنها شيئاً بتاتاً البتة، وكأنها في الحفظ والصون، أو يعمل فيها نفر من الصحابة ممن شهدوا «بدر» رضوان الله عليهم أجمعين.
قضية سرقات الأدوية في وزارة الصحة من قضايا الفساد البدائية، لا يعني هذا إطلاقاً عدم الاهتمام بها، لكنها تخبر أننا في العصر الحجري مكافحة فساد، ومع الاهتمام بهذا النوع نطمح لقضايا أعلى مرتبة في «التعقيد الفسادي»، أو «الشطارة» إن شئت. مثل الكور «اللافه» في كرة القدم. وبحكم أننا منفتحون على كل دول العالم، واستقطاب الخبرات يتوقع أن كل أنواع الفساد المعقد قانونياً حقق النقاط المطلوبة للحصول على الجنسية، وخذ عندك تعارض المصالح الصارخ و«قحش» عضوية مجالس إدارات الشركات، السوبر ماركت متنوع البضائع. هذا لا يجب أن يفت من عضد هيئة مكافحة الفساد بل من الواجب عليها فتح أبواب جانبية لمكاتب قياداتها، دون بيروقراطية و«الاناماليه» التي أصابت أجهزة مشابهة.
في لقاء إذاعي، قال محمد الشريف إن الهيئة معنية بالشركات التي تملك الدولة فيها من 25% فما فوق، والذين يرسلون للكتاب عن «هبر» في مثل تلك الشركات نضع لهم «يوتيرن» للاتجاه إلى الهيئة، والطرق في بلادنا كما ترون كلها «يوتيرنات». أما الصحة فإذا أرادت الاستماع لنصيحة يقترح عليها فصل الطب عن الإدارة، ومزيد من الرقابة النوعية. كلما استطعتم اكتشاف «الشللية» الإدارية أمكنكم اكتشاف العلل الوطنية، و«الشلل» ليست بالضرورة سعودية، وإن كان في «الوطني» ما يفيض. والذي لا يرى في الفساد المالي والإداري «سوسة عملاقة» لازم يشيل النظارة السوداء.
فرص عمل جديدة تلوح في الأفق، ومن «سبق لبق»، التباشير في إعلانات تتزايد ينشرها أصحاب سيارات مسروقة، يطلب هؤلاء البحث عنها مع وعد بمكافآت مجزية.
نمو هذه الإعلانات رافقه كبر مساحة وألوان. الظواهر تبدأ على الخفيف ثم تتزايد، الاضطرار دفع أصحاب السيارات المسروقة للإعلان مع رصد مكافأة مالية كبيرة، لم يعد ينفع البلاغ ومن ليست لديه مكافأة مالية، مؤكد أن سيارته «ما تسوى»، و«كل واحد يمد رجليه على قدر سيارته».
عند بروز قضايا مثل هذه كنا نكتب عن الجهة المعنية مطالبين، في العادة نقول أين الأمن العام وأين الشرط؟ وماذا عن أقسام التحري والبحث، لكننا في مرحلة جديدة – كما يبدو لي- تستحق طرحاً مختلفاً.
قضية سرقات السيارات، كسراً وخلعاً أو خطفاً بما فيها، أشبعت طرحاً، لذلك نتقدم إلى الأمام بسؤال للإخوة في الأمن العام، هل هناك نية لخصخصة التحريات والبحث؟ سؤالي لا يخلو من «أنانية»، أما السبب فهو إنني مع كثير من «دفعتي»، «فصفصنا» صفحات قصص أرسين لوبين، وهولمز، وآغاثا كريستي وغيرهم، كانت من وسائل المتعة والتسلية مثل «الكفي» حالياً، تراكم من ذلك خبرة واهتمام بقضايا التحري والتحقيق استنزفت الصحافة بعضاً منها وبقي مخزون، يمكن لنا استثماره الآن إذا فتح المجال، وحتى لا يندهش البعض، أول ما ظهر السكيورتي «الأمن الخاص أو المخصص» كان مثار استغراب، أذكر أننا إذا ذهبنا إلى دول الخليج – ذيك الأيام – كنا نستغرب توظيف أجانب في الحراسة، لاحقاً تحول هذا إلى قطاع «اقتصادي» عريض في بلادنا، استوعب حتى المتسللين! من هنا نسأل عن النية.. المطية.
إذا كان هناك عزم على «فتح باب المجال»، عملاً بالحكمة الشائعة «كل واحد يدبر عمره»، نطالب بألا تحصر «التراخيص» بالعسكريين المتقاعدين، يجب فتح المجال لمن «يجد في نفسه الكفاءة… أو الثانوية»، لا بد من محاربة شائعة «كل يقرب النار لقريصه»، الصحة تطلب طبيباً عند إنشاء مستوصف، والتعليم يطلب معلماً عند فتح مدرسة وهكذا، ولم يبقَ إلا النقل يطلب سائق «تريلا»، نحن شعب واحد نأكل من قرص واحد؟ ثم إن هناك مخرجاً، كثير من الموظفين المدنيين بدأوا حياتهم الوظيفية بمسمى «باحث»، والكفاءة في القدرة على البحث، في هذا استثمار إيجابي لخصوصية «الشفاحة»، وبدلاً من صرف البعض طاقات «عيونهم» في «اللي يسوى واللي ما يسوى» يفيدون ويستفيدون.
أيضاً هي فرصة لتوظيف قدرات اللف بالسيارات في الشوارع لشبابنا الطموح، ويمكن تعريض مجال العمل ليشمل البحث عن الأطفال التائهين والأزواج الهاربين، سنكتشف عندها أننا «أيقظنا العملاق» ليخرج من الاستراحة! وماذا ينقصنا؟ لسنا أقل من دول العالم المتقدم، لدينا قضاء عالمي ونشارك في صياغة الفكر العالمي في قضية التنافسية.
لن يستغرب لو توسعت إيران في الإنذارات والتحذيرات لتشمل الصين، أكبر مسؤول في القيادة الصينية كان في الرياض لبحث مصالح بلاده، ونظراً لأسلوب القيادات الإيرانية يتوقع صدور تحذير منها للصين بأن استيراد أي إمدادات نفطية من غير إيران يعتبر عملاً عدائياً. الذي لا يتردد عن تهديد الولايات المتحدة وتحتك قواربه بحاملات طائراتها يمكن له تحذير الصين أو إبداء عتب «ودي» على الأقل.
خلال الأشهر الماضية بلغت التهديدات الإيرانية أقصى مدى، تجاوزت دول الخليج العربي إلى المصالح العالمية، تبدو ردود الأفعال الغربية خبيثة، سواء من الولايات المتحدة أو الحلف الأطلسي، فحين يقول الأخير إن لا خطط لديه للتدخل إذا ما أغلقت إيران مضيق هرمز، يذكرنا بما قالته سفيرة أميركا في بغداد لرئيس العراق السابق صدام حسين قبل اجتياحه الكويت. ومشكلة إيران تكمن في طموحها للهيمنة على المنطقة ومكنتها الولايات المتحدة من ذلك بتسليمها العراق وغزو أفغانستان، والهيمنة لن تترسخ وتصبح حقيقة واقعة إلا بامتلاك سلاح نووي.
والقضية الإيرانية أساساً هي قضية مع الغرب، طهران لم تستطع إثبات سلمية مشروعها النووي، لكنها حققت نجاحاً ملحوظاً في المراوغة لكسب مزيد من الوقت، المفاوضات لأجل المفاوضات هي سياسة إسرائيلية مدعومة من الغرب الأميركي واللجنة الرباعية على حد سواء، مكنت هذه السياسة إسرائيل من بناء مزيد من المستوطنات وتهويد القدس، استنسخت طهران بنجاح سياسة المفاوضات لأجل المفاوضات في ملفها النووي، السياسة الإيرانية الخارجية ليست سوى مزيج من سياسة إسرائيل وسياسة كوريا الشمالية.
قضية العرب مع طهران هي قضية مع نظام أكثر منها قضية مع شعوب الجمهورية الإيرانية، ورغم أنها قضية عربية إلا أن بعض العرب يحاولون تهميشها، بل يتنافسون في تصوير إيران كداعم لحرية الشعوب المضطهدة والدرع الحصين ضد الهيمنة الغربية، وفي قنوات فضائية عربية لمليشيات سياسية ودول، نرى زخاً مستمراً لتسويق هذه البضاعة الكاسدة، ولا أحد يتحدث عن واقع الشعوب الإيرانية، بل إنه حتى في دولة مثل لبنان يقال عن حرية فيها، يخاف الناس من الحديث سلباً عن نظام الملالي. قبل أسابيع كان صديق عربي من الأهواز في زيارة إلى بيروت سأله نادل المطعم عن أحوالهم في إيران، بحماسة تحدث الأهوازي عن الاضطهاد الذي يعيشونه والتضييق عليهم، تلفت نادل المطعم اللبناني حوله بخوف ووجل قائلاً: «اخفض صوتك هنا لا يحبون هذا الكلام».
دون تردد، أنا مع تصديق وزارة الصحة أنها أول من كشف قضية فساد عصابة الأدوية، دون حاجة لوثائق وليسمح لي الأخوة في هيئة مكافحة الفساد، هذا ليس تقليلاً من جهودهم، صحيح أن البيان الصادر منهم واضح وفيه بعض التفصيل، إلا أن العمل جماعي كما يقولون، «وربع تعاونوا ما ذلوا»، و «اللي في القدر يطلعه الملاس»، ومشكلتنا مع الملاس، لأنه لا يخرج إلا القليل من كثير يعتقد الناس بوجوده داخل القدر…، وكأن صاحبه يقول لمن حوله «التفتوا هناك» ثم يخرج بعضاً مما في القدر، الملاس ليس هو «الحاسة» الوحيدة، ما في القدور تنتشر رائحته، سواء قدور الصحة أو غيرها من القدور المنصوبة. لنهدأ قليلاً يا إخوتنا وأحباءنا في الوزارة وفي هيئة مكافحة الفساد، دعونا نتقدم للمفيد.
لاحظت اتفاقاً بين الجهتين العزيزتين على عدم ذكر التواريخ، فلا احد أعلن منذ متى بدأ الاختلاس؟ ومتى اكتشف وقيمة المبالغ المختلسة؟ لاحظ أننا لا نريد أسماء، آمنا بالله تعالى، الفساد لدينا منقب وأحياناً متلطم وفيه «ما ورائيات»، إنما لا يصح إسدال الستائر حتى على التواريخ، فهل لأنها ستخبر عن مقدار طول وعرض الشق.
الجواب على سؤال: متى تم ذلك؟ مهم للمكافحة ومزيد من التطهير، بل إن فيه فائدة لسمعة بقية موظفي الصحة الذين اعتقد بكثرة الأمناء بينهم أكاد اجزم إنهم الغالبية.
الفائدة كيف تتم؟ ذكر التواريخ يحدد القضية فلا يعاد نشرها فيعتقد القراء أنها قضية جديدة، إما إذا كان ذكر التواريخ والمدد مزعج أو متعثر، هناك حلول يمكن ذكر المستودع بدلاً من «في إحدى المحافظات»؟، لو كنت أميناً لمستودع من مستودعات ووزارة الصحة لرفعت قضية على «إحدى المحافظات» هذه لأنها ستشملني وأنا لا علاقة لي بالقضية، الآن وبصيغة بيانات وأخبار كتلك، كل أمناء المستودعات في وزارة الصحة مشبوهون، وكلام الناس يقطع الجلود، لذلك اقترح على أمناء المستودعات النزيهين أن يبرئوا أنفسهم في إعلانات مثل تلك التي ترحب وتهنئ أي مسؤول جديد، يقولون فيها ألا علاقة لنا بما بتلك القضية «في إحدى المحافظات»، اما الوزارة العزيزة فأقترح عليها الإسراع في كشف القضايا قبل إعلانها من الهيئة، حتى لا تحصل الأخيرة على الصدى الإعلامي وتتهم الوزارة بالتقاعس، ويمكنها العودة لقضايا تم النشر عنها لمستشفيات متخصصة ومديريات وأطباء خرجوا من البلاد على وجه السرعة بعد رفع قضايا عليهم. النشر عن إلى أين وصلت هذه القضايا ودور وزارة الصحة في متابعتها، سيجعل لها قصب السبق في مكافحة الفساد والتراخي أو الإهمال في عقر دارها. وستحصل على جائزة العالمية…، محلياً.
يجتهد الكاتب في رصد مؤشرات، يرى فيها بوادر أخطار، ينبه حذراً من خسائر وتراكمات تحدثها، وإذا وضعنا «التطنيش» الذي تُقَابل به تلك المحاولات جانباً، أنا مثل آخرين بين فكي رحى، فئتين من القراء، فئة تقول انزع النظارة السوداء، وكفاكم مبالغة انظروا للجانب المشرق من حياتنا، ولم يتبقَ عليهم سوى تذكيرنا بأن «السماء والأنجم ملكنا»- على اعتبار أن الأراضي نفذت، ولم يتبقَ منها شيء للكشتة فكيف بالسكن- وفئة أخرى على الطرف النقيض تقول: «الشق أكبر من الرقعة»، وأصواتكم لا صدى لها، انصرفوا لشؤونكم. صحيح ان هاتين الفئتين لا تشكلان غالبية القراء حتى اللحظة، إلا أن لهم حضوراً لافتاً، الأولى تتناقص، والثانية تتزايد. وأتوقف عند الأولى لخطورة هذه المرحلة.
الكاتب مثل فرد من الكشافة أو طلائعها يحاول سبر أغوار الأفق حتى لا تقع القافلة في فخ منصوب، أو جرف سحيق، ربما يكون أدلاء القافلة انشغلوا بالحديث، أو اشغلهم بعض من حولهم عن رؤية الطريق، وما يخفي من أخطار محتملة، ومثلما يزعم البعض قدرة على قراءة ما بين السطور، يزعم الكتاب – أو بعضهم- قدرة على قراءة المؤشرات، والعبرة بالسجل المحفوظ، لكن أصحابنا من المتخصصين بنزع النظارات السوداء عن العيون، لا يلتفتون لذلك السجل، غرقوا في الأمل وصنعوا منه حقيقة يلمسونها، لكنه يبقى أمل يحتاج لتحقيق، وهناك فرق بين الأمل والوهم به، الأمل هو ما يدفع للكتابة والحرص والتطلع لأفق أفضل، أما الوهم به دون معرفة حالته الصحية، فهو ما يحض على التراخي والدعة، ومن ثمار الأخير ما نقذف به أحياناً أو ننصح إن شئت، بـ«عدم المبالغة»، والذين لا يرون سوى محيطهم الصغير ويقيسون عليه «على افتراض انه ايجابي» لا تتشكل لديهم حقيقة الرؤية، لا أقول قصر نظر بقدر ما هو حدود اهتمام وترتيب أولويات، ومن السجل نأخذ قضايا أصبح الجميع معترفاً بخطورتها، الذي يتذكر طوفان المسلسلات المصرية التلفزيونية في زمن مضى، لا بد أن يتذكر كيف كان السعوديون يندهشون مما يدور فيها عن حاجة للسكن و«الشقة»، والبطالة وأصحاب شهادات لا يجدون عملاً، وأنظر إلى أحوالنا اليوم، وازعم أنني في ما كتبت منذ سنوات طويلة حذرت من الوصول إلى الحالة المصرية، مع فروقات في الدخل وعدد السكان، وقوبلت بالسخرية و«المبالغة»، وقتها كانت لدي مؤشراتي.
والكاتب مثلما يجاهد «المطنشين» الذين تجمعهم مع أصحاب نزع النظارات السوداء حدود اهتمام أو أولويات، يجاهد أيضاً المحبطين من أصحاب نظرية «القرب المشقوقة»، لكنه يتفهم دوافعهم إذ إنهم يذكرون برتق الشق، مهما كان كبيراً، فالوقاية… خير من «الانسداح» والتأمل في نجوم السماء.